السيد محمد تقي المدرسي

63

من هدى القرآن

رب السماوات والأرض . . الخ . ثانياً : إن كل انحراف في البشر نابع من انحراف آخر ، وتتسلسل الانحرافات الواحدة تلو الأخرى ، حتى تصل إلى الانحرافة الكبرى في حياة الإنسان وهي الكفر بالله ، والابتعاد عن هداه ، وذلك هو الضلال البعيد . وفي الوقت الذي يعالج القرآن تلك الانحرافات الفرعية يعالج الضلال البعيد ذاته ( وهو الكفر ) ، لذلك نجد القرآن - سوره وآياته ودروسه وعبره - تبتدئ بذكر الله ، وتختتم به ، لأنه المحور الحقيقي الذي تدور حوله كل القضايا . ثالثاً : إن أهم صفة من صفات الإنسان في الأسرة الفاضلة ، والتي يجب على الأسرة أن تسعى من أجل تركيزها وتنميتها في أبنائها ، هي صفة الطاعة المستقيمة للحق . ذلك أن الإنسان في الطاعة مختلف : ألف : فقد ينمو الإنسان متمردا على النظام وعلى أية سلطة حتى ولو كانت السلطة سلطة شرعية ، بل ويتمرد ضد أية نصيحة مما يجعله أشبه ما يكون بالوحش الهائج . باء : وقد ينمو ذليلا يعطي القيادة لأي كان ، ويخضع لكل الناس ولكل الأنظمة ، ويصغي لكل الأوامر والتعليمات ، وهذا أشبه ما يكون بالبضاعة يشتريها من أراد . جيم : وقد ينمو الإنسان ويتربى على طاعة الأهواء والشهوات وبالتالي طاعة كل من يشبع نهم رغباته ، بغض النظر عن استقامته أو انحرافه ، وعدالته أو ظلمه ، وأكثر الناس في الواقع هم من هذا النموذج ، إذ يطيعون من بيده المال أو السلطة ، وهؤلاء أيضاً فاسدون كغيرهم . دال : أما الفريق الرابع فهو الذي يطيع ، ولكن لا للشهوات والمصالح ، ولا حبا في الطاعة العمياء ، وإنما يطيع القيم ، فطاعته لأي أحد نابعة من ولائه للحق ، وإيمانه بالقيم السامية ، وهذا هو الإنسان الذي يجب أن تسعى الأسرة الفاضلة من أجل تربيته وتنمية مواهبه ، وبلورة شخصيته . ويحدثنا القرآن الحكيم في منتصف هذه السورة عن ضرورة الطاعة ، وأنها يجب أن تكون لله لا للمصالح ، وليس خوفا من إرهاب أي سلطة بشرية ، وهذه هي النقطة المحورية لبناء الإنسان الفاضل في الأسرة الفاضلة .