السيد محمد تقي المدرسي

54

من هدى القرآن

صباحهم بتقديسه حتى لا يقدسوا ما سواه ، وإذا مالت الشمس إلى المغيب ، واستقبلوا سواد الليل سبحوا ربهم ليغسلوا عن قلوبهم أدران الحياة ويأووا إلى فراشهم بأفئدة طاهرة . [ 37 ] إن نور الله يتجلى في ضمير هؤلاء المسبحين لأنهم تعالوا عن ملهيات الحياة ، فلا خشية الخسارة في التجارة ، ولا تبادل المصالح بالبيع يمكن لهما أن يلهياهم عن ذكر الله ، وأداء واجباتهم رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فلذلك تراهم يبصرون الحياة من خلال نافذة الوحي ، ويجرون عليها شرائع الدين ، فلا تمنعهم ضغوط المعيشة عن تنفيذ الأحكام وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ؛ لأن خشية المعاد تفوق عندهم خشية الخسارة ، في التجارة والبيع يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ فهم حذرون أبدا لأنهم يخشون أن يبعثوا على غير دين الله ، وألا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيئاتهم . [ 38 ] لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فلا يكتفي بأن يجزيهم على أحسن أعمالهم ، بل يزيدهم من فضله لأنه الغني الذي لا تزيده كثرة العطاء إلا جودا وكرما . [ 39 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ فبغض النظر عن إيمان الإنسان أو كفره ، استقامته أو انحرافه ، فإنه يسعى دؤوبا لتكون أعماله مثمرة تصل به إلى أهدافه وطموحاته ، ولكن الإنسان المؤمن الذي يتبع تعاليم السماء هو وحده الذي يصل إلى نهاية سعيدة ، أما الكافر فإنه لا يحقق من أهدافه شيئا بالرغم من إجهاده لنفسه . وليت الأمر يقف عند هذا الحد ، فبالإضافة إلى الفشل في الوصول إلى السعادة ، فإنه يجد نفسه أمام رب رقيب قد أحصى أعماله ، وأعد له عذابا شديدا جزاء كفره . ولا يظن المرء أن حساب الله مختص بيوم الآخرة فقط ، بل قد يرى نتيجة عمله في حياته الدنيوية إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، والله سريع الحساب . [ 40 ] أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور كمن يغرق في ظلمات أعماله المنحرفة ، فلم يعد يرى شيئا من طريقه في الحياة ، بل يبلغ حدا لا يرى فيه يده لو قربها من عينه ، وذلك بسبب عصيانه لربه ، مما سبب في سلب النور من عقله ، وسمعه ، وبصره ، فضل يتخبط في دياجير الظلام الدامس ، والآية الكريمة تبين أن أعمال الكافر هي بذاتها ظلام ، وهل يهتدي من لم يجعل الله له نورا في الحياة ؟ ! .