السيد محمد تقي المدرسي

439

من هدى القرآن

ولكنا لا نراها ، وهي أشبه ما تكون بالطاقة الكامنة في الأشياء ، فعندما تأكل مال اليتيم فإنما تأكل في بطنك نارا ، والكذب رائحة نتنة تخرج من فمك ، ولكن جميع هذه المظاهر لا ترى الآن ، إلا إذا تغيرت طبيعة الكون ، وحينها يصبح المال نارا ، والكذب نتنا ، وهذا هو العذاب الذي به يكذبون ، وهكذا تكون جهنم محيطة بالكافرين . [ 55 ] يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في ذلك اليوم سيغشاكم العذاب من كل حدب وصوب وجزاؤكم من عين أفعالكم ، وستذوقون ما كنتم تعملون . [ 56 ] بعد أن ذكرنا القرآن بشهادة الله التي تكفي عن كل شهادة على صدق رسالاته ، وبين أن الكافرين هم الخاسرون وليس المؤمنون ، وأن تأخير العذاب عنهم لا يعني أنه يمكن التخلص منه . كلا . . بل هو موجود فعلا ومحيط بهم ، إذ إن أعمالهم هي التي يذوقونها عذابا حين يغشاهم من أطرافهم ، وبالتالي بعد أن هز السياق ضمائرهم أخذ يعالج العقبات التي تعترض طريق الإيمان ، ومن أبرزها : هيمنة الجبارين ، فأمر بالهجرة عن بلاد الكفر قائلا : يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ أنت عبدي والأرض أرضي ، فاسع فيها واعبدني ، ولا تخضع لسلطة الطغاة ، لأنهم يرهبون الناس من الموت ، وعلى الإنسان أن يتحرر من خوف الموت بمعرفة أنه لا ريب ذائقه ، حتى يخرج من عبادة الطغاة إلى عبادة الله . [ 57 ] كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ . [ 58 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الغرفة هي : الغرف المرتفعة ، وهي قصر المؤمن ، حيث ينعمون بالخلود ، والشباب ، والحور العين ، وخدمة الولدان جزاء عملهم وإيمانهم ، وهكذا يكون جزاء العاملين . [ 59 ] الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ولكن هذا الجزاء ليس بلا ثمن ، فثمنه الصبر والتوكل ، وهي من صفات المؤمنين . الصبر يعني تحمل الصعاب من أجل مستقبل أفضل ، والتوكل يعني استخراج كنوز الذات من أجل العمل . [ 60 ] وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ من الآيات الأربع الماضية يبين الله حجابين يعيقان فهم الإنسان للوصول إلى الحقائق وهما :