السيد محمد تقي المدرسي
420
من هدى القرآن
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ الحسم لا يتم إلا بمعرفة القيادة العليا ، فالملائكة الرسل الذين جاؤوا لنصرة لوط ، وإهلاك قومه مروا في طريقهم على إبراهيم لكي يوعز ربنا سبحانه لإبراهيم : بأنك أنت القائد الأعلى للتجمع الإيماني في الأرض ، وقد كان بإمكان هؤلاء الملائكة أن يذهبوا رأسا ناحية لوط ، ولكنهم مروا على إبراهيم جزاء من الله له على إيمانه الصادق وإخلاصه . وهؤلاء الرسل لم يبدؤوا إبراهيم بالإنذار ، وإنما ابتدؤوه بالبشرى بأن الله سيهب له إسحاق ومن ورائه يعقوب والذرية الصالحة ، رغم أنهم يحملون العذاب لقوم لوط ، ولا تخلو هذه اللفتة من مفارقة كريمة وهي : أن ربنا سبحانه وتعالى قبل أن يهلك قوما كفروا وعاندوا بشر رئيس ذلك المجتمع إبراهيم عليه السلام بأنه سيعطيه ذرية صالحة ، تحمل راية الحق ، وتنشر كلمة الله في الأرض ، فتلك هي المفارقة ، ويبشره بالعطاء أولًا ، ثم ينذره بأنه سوف يهلك الظالمين ، ولكن إبراهيم عليه السلام حينما عرف أن الله مهلك قوم لوط فزع . [ 32 ] قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً وذلك هو سلوك المؤمنين الصادقين ، فمن صفات الأنبياء عليه السلام أنهم رحماء بالبشر غيورون على المؤمنين ، بحيث لم يتمالك نفسه ، واندفع قائلا : وما هو مصير لوط ؟ ! وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : أن إبراهيم كان يسعى لدرء العذاب عن قوم لوط ، يقول الحديث ( بعد بيان جوانب من قصة لوط ) : « فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ : لِمَاذَا جِئْتُمْ ؟ . قَالُوا : فِي إِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنْ كَانَ فِيهِمْ مِائَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ ؟ ! . فَقَالَ جَبْرَئِيلُ : لَا ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا عِشْرُونَ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةٌ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةٌ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَاحِدٌ ؟ . قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنَّ فِيها لُوطاً ؟ ! . قالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ » « 1 » . قال الحسن بن علي عليه السلام : « لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا وهُوَ يَسْتَبْقِيهِمْ ، وهُوَ قَوْلُ الله عَزَّ وجَلَّ : يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) « 2 » . قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ
--> ( 1 ) الكافي : ج 5 ص 546 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 546 .