السيد محمد تقي المدرسي
407
من هدى القرآن
[ 16 - 17 ] وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 ) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً دعا إبراهيم عليه السلام قومه إلى عبادة الله وتقواه ، مبينا أن ذلك أفضل لهم ، ثم حدد لهم ماهية أفكارهم وواقعها عبر الأسلوب الرسالي الذي يتكرر في كل رسالة ، والذي يعتمد على نقطتين : ألف : بيان بصيرة التوحيد التي تحقق للمجتمع حريته واستقلاله ، وتمنحه القيم الإنسانية الراقية من الحق ، والعدالة ، والسلام . باء : تعرية الواقع الفاسد ، وتسليط الضوء عليه ليتبين لأفراد المجتمع خطورة الفساد الذي هم فيه . أوضح النبي إبراهيم عليه السلام لقومه وضعهم المزيف بقوله : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً . ثم إن هذه الأوثان التي تعبدون أنتم صنعتموها ، ثم أضفيتم عليها صبغة الواقعية ، ولكن مهما فعلتم فإنها تفتقر إلى الواقعية ، ولعلنا نستوحي من قوله سبحانه : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً حقيقة نجدها في آيات أخرى أيضا هي : أن الناس هم الذين يخلقون الطاغوت دون نفسه ، لأن الطاغوت أضعف من ذلك ، إن الذين يرضون بالطاغوت ، ويسكتون عليه ، والذين يلتفون حوله ، ويسمعون أوامره ، ويحاربون معه أولئك هم الذين يخلقونه . وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي تخلقون كياناً باطلًا كذباً . إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً إنكم أنتم الذين تعطون لما خلقتم القوة ، وأنتم الذين تقتطعون لهم من أرزاقكم وليسوا هم ، وهل يستطيع الطاغوت أن يعيش دون ضرائب يفرضها على أبناء الشعب ؟ ! . فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ فانبذوا هذا الواقع المزيف ، واطلبوا من بارئكم الحق رزقكم ، فهو الجدير بالطاعة ، والخضوع ، والتسليم ، ثم . . . وَاشْكُرُوا لَهُ والشكر هو العبادة العملية ، كما قال : اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] ، وهذا يعني : أن تكون أعمالكم وسلوكياتكم بحيث تجلب لكم المزيد من النعم والبركات ، وكذلك فإن من يشكر يزداد رزقه ، ونستوحي هذا المعنى من قوله تعالى : فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ أي أن من يريد الرزق فليبتغه من الله بالعبادة والشكر ، وقد قال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] .