السيد محمد تقي المدرسي
393
من هدى القرآن
الرسل ، ولأن تكريم الرسل يقتضي تكريم أتباعهم ، ولأن جوالسورة هو جو الجهاد ، والجهاد مع الظلم والكفر بحاجة إلى وحدة الصف ، فإنه كان مناسباً الحديث عن أهل الكتاب ، وأنه ينبغي جدالهم بالتي هي أحسن ، وبيان أسس الوحدة التي تجمعنا وإياهم ، وإنما القسوة تكون مع الظالمين منهم ( كما تكون مع الظالمين منا ) ، ( الآية : 46 ) . ويبين السياق مصداق الجدال بالتي هي أحسن ؛ أي شواهد صدق الرسالة التي تقنع المنصفين من أهل الكتاب ، أما الكافرون فإنهم يجحدونها ( من واقع كفرهم ) . فهذا النبي لم يكتب ولم يقرأ من قبل ، وقد جاء بآيات تتبين في صدور العلماء فيصدقونها ، بيد أن الظالمين يجحدون بها ( من واقع ظلمهم ) وهم يطالبون بالمزيد من الآيات ، ولا يعلمون أن أمر الآيات بيد الله لا الرسول . وهذا الكتاب العظيم أليس فيه آيات كافية ، والله أعظم شهيد على صدق رسالاته بما يهدي القلوب الصادقة إليها وبنصره وتأييده لها . ( الآيات : 47 - 52 ) . ويجادل الذكر الذين يستعجلون بالعذاب ، ويقول : إنه سوف يؤخر إلى أجل مسمىً ، ولكن يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ، حيث تغشاهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم . ( الآيات : 53 - 55 ) . وهكذا يثبت الله الذين آمنوا ، ويعلمهم كيف يجادلون عن الرسالة ، ولكن ماذا عن الضغوط التي يتعرضون لها ؟ يقول ربنا : إن الهجرة إلى أرض الله الواسعة ، ومعرفة أن الموت قدر لكل نفس ، وأن العاقبة هي الأهم ، حيث يبوِّئ الله الصالحين جناتٍ جزاء أعمالهم ، وأن علينا الصبر على البلاء والتوكل على الله عند الشدائد حتى نستحق تلك الجنات . وأن الأرزاق بيد الله ، فلا يخشى المجاهد قطع رزقه بسبب الهجرة ، أو لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر . ويفصل الذكرالحديث في ذلك ، ويبين أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وأنه هو الذي ينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعدموتها ، ( الآيات : 56 - 63 ) . ولكي تطمئن نفوس المجاهدين يبين القرآن حقيقة الدنيا ، وأنها لهو ولعب ، وإنما الحياة حقاً في الدار الآخرة ، وأن علاقات المشركين باطلة ، والدليل أنها لاتنفعهم عند الشدة ، فحين تحيط بهم أمواج البحر وتكاد تبتلعهم ، يدعون الله مخلصين له الدين ، ثم يشركون بعدئذ بالله كفراً بنعمته ، ومزيداً من التمتع بملذات الدنيا الزائلة التي سوف يعلمون مدى خسارتهم بها . ( الآيات : 64 - 66 ) . ثم يبين الله أنهم يؤمنون بالباطل ، ويكفرون بنعمته عليهم - والرسالة أعظم نعمة - ألا تراهم لا يعتبرون بهذا الحكم الإلهي الذي يؤمّن لهم السلام في مكة ، بينما يُتَخطف الناس من