السيد محمد تقي المدرسي
382
من هدى القرآن
لهم دارا أخرى ، حيث يساقون إلى النار وساءت مصيرا . وأي امتحان عسير يتعرض له أهل الولاية والسياسة ، حيث يطالبهم الرب بأن ينزعوا عن قلوبهم رداء التكبر ، ويعيشوا للناس ومع الناس ، وفي مستوى المحرومين من الناس ؟ ! وأين تجد مثل هؤلاء ؟ ! . بلى ، كان ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث يروي عنه زاذان : ( إِنَّهُ كَانَ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَحْدَهُ ، وَهُوَ ذَاكَ يُرْشِدُ الضَّالَّ ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ ، وَيَمُرُّ بِالْبَيَّاعِ وَالْبَقَّالِ ، فَيَفْتَحُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَيَقْرَأُ : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَ . . . الْآيَةَ ) « 1 » . وكل من طلب الرئاسة بغير حقها في كل حقل حتى ولو كان ضمن قيادة حزب أو تجمع أو هيئة ، بل وحتى رئاسة عشيرته وأسرته تشمله هذه الآية . يقول الإمام علي عليه السلام : وهو يصف الذين شقوا عصا الأمة في عصره ، وفرقوها يقول : « فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ومَرَقَتْ أُخْرَى ، وقَسَطَ آخَرُونَ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الله سُبْحَانَهُ يَقُولُ : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى ؛ والله لَقَدْ سَمِعُوهَا ووَعَوْهَا ولَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ ورَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا » « 2 » . ونقرأ حديثا يجعل كل حب للاستعلاء حاجزا بين الإنسان ودخول الجنة ، يقول الإمام علي عليه السلام : « إِنَّ الرَّجُلَ ليُعْجِبُهُ أَنْ يَكُونَ شِرَاكِ نَعْلِهِ أَجْوَدُ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِ صَاحِبِهِ » « 3 » ، فيدخل تحتها - الآية - . وَلا فَسَاداً إن أجلى مصاديقه : تخريب قيم المجتمع ومحاولة السيطرة عليه عبر الثروة ، والسعي وراء إفساد ضمير أبنائه بالرشوة . ومن مصاديقه : إفساد اقتصاده بالغش ، وسرقة جهود الفقراء بوسائل غير شريفة ، والتلاعب بأرزاق العباد بالاحتكار ، ولكن لا يتوقف الفساد عند هذا الحد ، بل شهوات الدنيا جميعا تدعوك إلى الفساد إذا لم تضبطها في حدود العقل والشرع . أوليس الإسراف في استهلاك الموارد الطبيعية ينشر الفساد فيها ، كذلك الإكثار في الطعام والجنس يرهق جسمك ، وهو بدوره يعتبر ضربا من الفساد ؟ ! .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 41 ص 54 . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة : 3 . ( 3 ) نور الثقلين : ج 4 ، ص 144 .