السيد محمد تقي المدرسي
38
من هدى القرآن
وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : ( خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله يُرِيدُ فَاطِمَةَ عليها السلام ، وَأَنَا مَعَهُ ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْبَابِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَدَفَعَهُ ثُمَّ قَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله ، قَالَ صلى الله عليه وآله : أَدْخُلُ ؟ . قَالَتْ عليها السلام : ادْخُلْ يَا رَسُولَ الله . قَالَ صلى الله عليه وآله : أَدْخُلُ أَنَا وَمَنْ مَعِي ؟ فَقَالَتْ عليها السلام : يَا رَسُولَ الله لَيْسَ عَلَيَّ قِنَاعٌ . فَقَالَ صلى الله عليه وآله : يَا فَاطِمَةُ خُذِي فَضْلَ مِلْحَفَتِكِ فَقَنِّعِي بِهِ رَأْسَكِ . فَفَعَلَتْ ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وآله : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله ، قَالَ صلى الله عليه وآله : أَدْخُلُ ؟ . قَالَتْ عليها السلام : نَعَمْ يَا رَسُولَ الله ، قَالَ صلى الله عليه وآله : أَنَا وَمَنْ مَعِي ؟ . قَالَتْ عليها السلام : وَمَنْ مَعَكَ » « 1 » . بهذه الرقة والتودد ، أدبنا الإسلام . ويحسن بنا الانتباه إلى نهاية الآيات ، فعادة ما تكون نهايتها مفاتيحها ، كما تكون الآيات الأخيرة في السورة مفاتيح لها ، وهنا يقول تعالى : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . ويختم الآية بهذه الصفة الإلهية بعد أن يطرح مجموعة من القوانين والأنظمة لماذا ؟ . الجواب : لعله لأن للإنسان قدرة التفاف هائلة على القانون ، وتحويله إلى قشرة دون أي محتوى ، ولكي يحذر الله سبحانه الناس ، من الالتفاف حول النظام الإسلامي يحثهم على الالتزام به بدقة وإخلاص ، ويذكرهم بأنه يعلم حقيقة أعمالهم ، فلا مناص لهم من النصح في تطبيق الأحكام ، فقد يخادع الإنسان أصحاب البيت فيوهمهم حين دخوله أنه يقصد هدفا شريفا ، وواقعه خلاف ذلك ، ولكنه لا يستطيع أن يخدع الله لأنه عليم بما يعمل الناس . ودخول كهذا ، هو كما لو دخل بدون إذن لا فرق إذ لو علم أصحاب البيت بقصده السيئ لما أذنوا له بالدخول . وكثيرا ما يمتهن بعض المجرمين المهن التي تساعدهم على دخول البيوت ، بحجة القيام بخدمات معينة لأصحاب المنزل كاصلاح بعض متاعهم ، فيجدون بذلك فرصة سانحة للاطلاع على أعراض الناس ، والتجسس على المؤمنين ، ولا يعلمون أنهم بذلك قد ارتكبوا جريمتين : الأولى : جريمة الدخول بدون إذن ، لأن هدفه سيئ . الثاني : جريمة الإفساد في الأرض . ولئن أفلت هؤلاء من علم أهل البيت أو السلطات الشرعية ، فلن يفلتوا من علم الله .
--> ( 1 ) الكافي : ج 5 ص 528 .