السيد محمد تقي المدرسي
372
من هدى القرآن
ينبغي أن يتخذ وليا ، وفي هذا الدرس الذي يذكرنا بربنا عسى أن نسقط الشركاء من حسابنا ، ونخلص العبودية لربنا ، ونطيع من أمرنا بطاعته من رسله وأوليائه ، ونتمرد ضد الطغاة ، والظالمين الذين اتخذوا من دون الله أنداداً ، ويتساءل السياق عن الإله الحقيقي ، الذي يجب أن يتخذه الإنسان وليًّا ونصيراً ، وقائدا ومولى ، ثم يقول مباشرة : أَفَلا تَسْمَعُونَ ، أَفَلا تُبْصِرُونَ ، وكثيراً ما تتكرر هذه الصيغ وشبيهاتها : أَفَلا تَعْقِلُونَ ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ . . الخ في القرآن ، وفي ذلك تأكيد لفكرة مهمة هي : أن وجود الآيات وحدها في الكون لا يكفي ، بل لا بد من وجود جهاز استقبال عند البشر حتى ينتفع البشر منها ، فهل ينفع نور الشمس من أغمض عينيه ؟ ! . إن الله هو الذي جعل الليل سكنا ، والنهار ميدانا للسعي والنشاط ، وهو الذي يقدر حياة الخلق وموتهم ، والمطلوب منا أن نتخذه إلها حقا ، وذلك بأن نستمع لرسله ، ونبصر آياته ، ثم نعقلها لنعرف الحقائق . نجد في الآيات الأخيرة من هذا الدرس إشارة بل توضيحا لفكرة القوة المالية في الحياة ، فما هو الهدف من النعم الإلهية على البشر ؟ . إن الهدف من النعم هو الوصول إلى الكمال الروحي ، والعروج بقيم الإنسان وروحه في مدارج المجد والعظمة عبر الشكر لله ، والذي يمثل الأثر الإيجابي المنبعث عن وجود النعم ، وذلك أسمى من الرفاه والرخاء المادي ، ومن لا يشكر النعم تتحول لديه إلى نقمة من الناحية النفسية ، فترى نعمة الفراغ تتحول عنده إلى قلق وضياع ، تجده بدل أن يصرف الملايين التي يمتلكها في سبيل راحة نفسه وعائلته وأمته ، يذهب بها للفساد فيحطم شبابه ، ثم يعود صفر اليدين . وشكر النعمة هو الذي يجعلها نافعة ، بينما الكفر بها يحولها نقمة على صاحبها ، ويتمثل الشكر في الانتفاع بها ضمن الحدود المشروعة لأهداف خيرة ، وقارون كان بعكس ذلك تماما ، فقد أعطاه الله من الكنوز ما تنوء مفاتحها بالعصبة الأقوياء ، لكنه بدل أن يستفيد منها ، وهو من شعب مستضعف كفر بها وبربها كما يذكر القرآن ذلك في الدرس القادم ، ولكن السؤال : ما هي مناسبة الحديث عن قصة قارون ، وبالضبط عند الحديث عن القيادة ؟ . الجواب : إن الانحراف البشري عن القيادة الصحيحة ، يتم بسبب ضغط إحدى القوتين : فإما قوة الإرهاب والسيف ، أو قوة المال والثروة ، وإذا كان فرعون مثلا للقوة الأولى ، فإن قارون مثل للقوة الثانية ، وإذ يضرب الله لنا هذه الأمثال فلكي يقيم الحجة علينا ، فلا نلتف حول صاحب الثروة لماله ، ولا حول من يملك الحكم لقوته .