السيد محمد تقي المدرسي

363

من هدى القرآن

يرحلون عنها سريعا ، ولعل الآية تشير إلى سنة إلهية هي : أن البلاد المدمرة بالعذاب لا تبقى فيها مقومات الحضارة ، وهكذا لا نجد الحضارة قد تجددت في ذات المواقع التي دمرت ، مما تجعل نتائج البطر بالمعيشة تمتد إلى المستقبل البعيد . [ 59 ] ثم يبين الله - وخلافا لنظرية الحتمية التأريخية التي تتصور الدورات الحضارية مرهونة بالزمن ذاته - أن العامل الأول في الدورات الحضارية بعد إرادة الله هي إرادة الإنسان ، فلو بقيت أمة تسير في الخط السليم ، فستبقى تتقدم وتتطور أكثر فأكثر ، ولن يؤثر فيها الزمن بذاته ، والله لا يسلب حضارة قوم أو يهلكهم هلاكا ماديا ، إلا بعد تحقق أمرين : ألف : إقامة الحجة : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ، وقال في آية أخرى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] ، ويعلل الله عز وجل هذا الأمر في الآية ( 47 ) من السورة ( القصص ) نفسها إذ يقول : وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وبعث الله رسولا في أم القرى يتناسب مع هدف إقامة الحجة ، وقد لا يقصد القرآن من كلمة الأم المدينة الأكثر سكانا ، بل الأنسب حيث تصل أصداء الرسالة منها إلى أوسع رقعة من الأرض . باء : الظلم : فبالإضافة إلى أن سنن الله تقتضي زواله ، ودمار أهله ، فإنه يحمل عوامل انهياره فيه ، فالطاغوت الذي يظلم الآخرين ، ويسلب حقوقهم لا يسلم من ردة الفعل إن لم ينزل عليه عذاب مباشر من الله كالمرض والغرق وما إلى ذلك ؛ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ، والظلم هو الصورة العملية لرفض رسالات الله ، بل لمحاربة الله تعالى . وكلمة أخيرة : إن قسما من الناس يتصورون بأن الإيمان بالله ، والالتزام برسالته ، وبما يتضمنه كل ذلك من الالتزامات المالية ، أو التحديات السياسية وما شابه سوف يسلب منهم النعيم ، بينما سنة الحياة تقضي بالعكس ، حيث يهلك الله الذين يكذبون برسالاته ، والعبرة جلية في التأريخ ، وبالتالي فمن الأولى أن يخشى أهل مكة من عاقبة رفضهم للرسالة أن يفقدوا كل شيء لا من إيمانهم بها ، أوليس الشكر هو التفكير في عوامل النعمة ، والحفاظ عليها ، وبالتالي الحفاظ على النعمة ذاتها ؟ ! . [ 60 ] ثالثاً : إن الهدف الأسمى الذي يجب أن يسعى الإنسان من أجله هو نعيم الآخرة لا حطام الدنيا ، والدنيا يجب أن تكون وسيلة تخدم الغاية العظمى للبشر . إلا إن الكثير من الناس يتوقفون عند الوسيلة ، وتضحى عندهم هدفا ، وذلك لضآلة طموحهم ، وضيق أفقهم .