السيد محمد تقي المدرسي
325
من هدى القرآن
وإنما كان ينطلق من مبادئ ثابتة ، ويتحرك عبر مسيرة واضحة المعالم ، فهو يريد أن يحقق العدالة في المجتمع ، بادئاً بنفسه أولًا . فبعد أن قتل موسى عليه السلام القبطي ، صار مطلوباً عند السلطة ، فكان ينبغي أن يكون حذرا في مدينة تطالها سيطرة فرعون ، وقد أشار القرآن لهذا الأمر في حديثه عن موسى عليه السلام وهو يدخل المدينة تارة ويخرج منها تارة أخرى ، أو يمشي فيها فقال : - وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا . - فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ . - فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ . وهكذا ينبغي للرسالي أن لا يأخذ الأمور بسذاجة عندما يدخل بلاد الطغاة لأداء مهمة ما . إن موسى دخل المدينة ، وخرج منها ، وعاش فيها حذرا ، وبالتالي مستعدا ومخططا لتصرفاته في شتى الظروف والاحتمالات . وبينما كان موسى يمشي في المدينة ، وفي هذه الظروف الصعبة ، فإذا بالذي استغاثه بالأمس يستصرخه اليوم ، يريد منه أن يعينه على رجل قبطي آخر ، لكنه هذه المرة تفجر غضبا على الاثنين ، على الإسرائيلي باعتباره يورط الحركة الرسالية في صراعات غير مخطط لها ، قد تنعكس سلبيا على خطط الحركة في التغيير ، ويبدو أن الرجل كان ممن تثيره عداواته الشخصية ، فتجره إلى مواقف مرتجلة هذا من جهة ، ولكن ذلك لم يمنع موسى من نصرته فلقد هم بالبطش بالقبطي باعتباره ظالما من جهة أخرى . إن خطأ الإسرائيلي الذي استحق عليه اللوم لا يكمن في استراتيجيته ، فهو مظلوم يتعرض للإهانة ، وربما للقتل ومن حقه الدفاع عن نفسه وكرامته ، إنما يكمن خطؤه في أسلوبه ، إذ فجر الصراع في ظرف ووقت غير مناسبين ، وهنا لا بد أن نعرف أن من أسباب فشل أي حركة هو اللاانضباط الذي من صوره وشواهده دخول أفراد الحركة في صراعات غير مخططة وبعيدة عن قرار القيادة . لهذا نهر موسى عليه السلام الإسرائيلي وقال له : « قَاتَلْتَ رَجُلًا بِالْأَمْسِ وَتُقَاتِلُ هَذَا الْيَوْمَ لَأُؤَدِّبَنَّكَ ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ » « 1 » . فزعم أن موسى عليه السلام يريد قتله ، فاتهم النبي عليه السلام بأنه لا يصلح للقيادة ، وأن هدفه ليس إلا الإفساد في الأرض ، والتجبر ، وفي البين فضح سرا من أسرار
--> ( 1 ) بحارالأنوار : ج 11 ، ص 79 .