السيد محمد تقي المدرسي
319
من هدى القرآن
في الأمر ، أما لو كانت تنتظر كل شيء ، يأتي من عند الله ، دون أن تقوم هي بدور معين ، فلربما لم يرجع لها وليدها ، لأن سنة الله في الحياة قائمة - في التغيير - على السعي من جهة الإنسان نفسه أولًا إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم [ الرعد : 11 ] . وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ وكلمة : يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ تدل على أن أخت موسى حاولت جهدها أن تخفي علاقتها به أمام الآخرين ، فلم تقل أنه أخوها ، بل ملكته فرعون بكلمة لَكُمْ كما نستفيد من الآية الشريفة أهمية المتابعة للأعمال والقرارات الرسالية حتى لا تموت في الأثناء ، بل تظل يد الرساليين ترعاها . لحظة بلحظة إلى أن تصل إلى نهايتها . إن موسى الذي حرم الله عليه المراضع ربما كان يموت جوعا وعطشا لو لم تتدارك أخته الأمر بالمتابعة ، وعلى أحسن الأحوال يصبح مصيره مجهولا عندهم . [ 13 ] في آية سابقة قال تعالى : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 7 ] وفي هذه الآية يقول : فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ تطمئن ، ويذهب عنها الخوف والوجل ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . الآية الأولى تبين أن هناك وعدا من قبل الله حين ألهمها بالقذف في اليم ، أما الثانية فهي تشير إلى تحقق هذا الوعد وهنا نستفيد أمرين : 1 - صحيح أن الله يعد المؤمنين بالنصر ولكنه يطالبهم بالعمل لا أن يكون وعده لهم مدعاة للكسل ، والتوقف عن العطاء والسعي ، بل منطلقا للسعي الحثيث والجهاد . إن أم موسى أعطت من جهدها المادي والمعنوي حتى تكون أهلا لوعد الله . 2 - حينما يعد الله بشيء ما يجب أن نطمئن إلى وعده ، فهو تعالى لن يخلف وعده ، ولماذا يخلف وعده وهو القوي العزيز ، الحكيم القاهر ؟ ! فلا يعجزه شيء ، وهو الصادق ، ومن أصدق من الله قيلا ؟ ! . لو كان الناس يعلمون بأن وعد الله حق ، ويتحسسون بأمل الانتصار لما تسلط عليهم الطغاة أمثال فرعون ، لكن مشكلتنا هو ضعف اعتقادنا بالله ، فإذا بأحدنا يقول : وماذا أستطيع أن أعمل مقابل هذا الإرهاب ، وأنا شخص واحد ؟ بلى ؛ الله يؤيدك ويسدد خطاك . إن الثقة بنصر الله ، والتوكل عليه هو وقود الحركة ، والذي يفقده يفقد كل شيء .