السيد محمد تقي المدرسي

31

من هدى القرآن

الشائعات لينتقموا من المجتمع ، وكأنه المتسبب في إحباط هذه الغريزة في ذواتهم ، أو لا أقل يتسلون بهذه الكلمات ليعوضوا بها عما فقدوه ، وعما يشعرون به من عقدة الجنس ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إن للفاحشة هيبة تنبعث من الحياء والشرف البشري ، جبل عليها ضمير الإنسان وعندما تشيع الفاحشة في المجتمع تسقط هيبتها من أعين الناس ، فيتورطون فيها ، بل لا يتورعون عن ممارستها باستمرار . وإشاعة الفاحشة تتحقق بمجرد نقل الإنسان ما يسمعه من كلام خبيث إلى الآخرين ، وهذا ما يحطم جدار الشرف والحياء لدى أبناء المجتمع ، فلا هو يدعو الإنسان المريض القلب للعمل الصالح ، ولا هو ينصح الناس لما فيه خيرهم ، بل يبحث عن الشائعة الباطلة لينشرها ، وعن الفكرة الخبيثة الميتة ليحييها ويذيعها ، لأنه من أهل الفاحشة وإن أنكرها بلسانه أو تظاهر بكراهته لها ، فلو بحثت عميقا في نفسه لوجدته يعبر بكلامه عن واقعه ، لا عن واقع الآخرين ، ويبدو أن التعبير القرآني ب - يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ يدل على انعطاف نفسي عند هذا الفريق نحو إشاعة الفاحشة ، إما بسبب كراهية المجتمع ، أو كراهية الفريق المتهم منه ، أو لأنهم يرتكبون فعلا الفاحشة ، ويريدون أن تنتشر بين الناس جميعا حتى يرتاحوا من لوم الناس ووخز الضمير . وعلى الإنسان أن يقاوم هذا الحب في نفسه ، ولا يفيض في نقل التهم بدافع هذا الحب الشيطاني . ثم يختم القرآن حديثه الصادق بأن الله عليم بالحقائق وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فأنتم لا تعلمون طبيعة الناس ، والدوافع التي تدعوهم إلى خلق الافتراءات ضد هذا وذاك ، فلا يجوز أن تثقوا بأي فرد ، بل عليكم التثبت عما إذا كان نقيا عن حب إشاعة الفاحشة . [ 20 ] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بأن بعث لكم رسولا ووفر لكم فرصة الهداية - لولا ذلك - لما زكا أحدا منكم ، أي تخلص من ورطة اتهام الآخرين بالزور والبهتان . ويبدو أن المراد من الفضل هو الهدى ( القرآن والرسالة ) ومن الرحمة النعم المادية ( الأمن والسلامة وكل ما يمنع الإنسان من التورط في الجرائم المختلفة ) . فلو لم تتوفر للإنسان وسائل الهداية من جهة ، والوسائل المادية كالحياة الأسرية الفاضلة ، والمكسب الحلال ، وما إلى ذلك من النعم من جهة أخرى ، لما تخلص من التورط في الجرائم . وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ويبدو أن جواب لولا ما يشار إليه في الآيات التالية من قوله تعالى : مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [ النور : 21 ] .