السيد محمد تقي المدرسي

288

من هدى القرآن

الباطل فيها ، والمقصود بالوجدان تلك الجوانب الخيرة من نفس الإنسان فهو - مثلا - يحب من أحسن إليه ، ويخشى من هو عظيم ، والذي بيده نفعه وضره ، فعندما نعبد الله فلأننا نجد فيه مصدر العظمة والقوة ، وأنه حسبنا الذي نأنس إليه ، وفي الوقت ذاته يجب أن نخشاه لأنه شديد العقاب والانتقام ، ويمكن أن يصل إلينا من عنده عذاب عظيم . وإن طبيعة الإنسان إبعاد الحقائق الكبرى عن ذهنه ، فكما أنه لا يستطيع التركيز بنظره ولفترة طويلة في قرص الشمس كذلك لا يستطيع أن يركز فكره وعقله في الحقائق الكبرى كالتفكير في الله أو الموت أو القيامة ، وعندما يجلس الإنسان في مجالس الذكر فيستمع إلى هذه الحقائق أو يقرأ كتابا يذكره بها فإنه يخشع قلبه ، ويتذكر القيامة ، ولكنه لا يبقى على هذا الحال طويلا ، فبعد فترة تجده وقد أنساه الشيطان تلك الحقائق وعاد إلى الغفلة مرة أخرى ، وهكذا يبقى الإنسان في جدل مع نفسه ، فتارة يتذكر الحقيقة وتارة يبتعد عنها ، ولذلك سمي مكان الصلاة محرابا ( بينما المحراب هو موقع الحرب ) لأنه يبقى في صراع باطن مع الأهواء والشيطان ، ويشبه في مسيره إلى معرفة الله الطائرة حين تحلق في السماء ، فبمجرد أن تعطب المحركات تهبط وربما تتحطم ، وهكذا يسقط البشر في وحل الرذيلة والشقاء حين يغفل عن الله والحق . والآخرة باعتبارها مستقبلا وليس حاضرا ، ولكونها مرحلة أخرى من حياة الإنسان ، فإن علمه يصطدم بجدارها ، كما يجتمع الماء خلف السد ، وهكذا يتجمع علم البشر خلف هذا الجدار فيدرك الواحد الآخر ، ولأن أمامه حواجز من الشك والجحود والكفر بالآخرة فإن علمه يتوقف عند حدود الدنيا ، أما المؤمن فإن علمه ينفذ من الدنيا إلى الآخرة ، ولعلنا نفهم حواجز الوصول إلى الحقائق من خلال التدبر في نهايات الآيات : - يقول تعالى في الآية ( 60 ) : بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . - وفي الآية ( 61 ) : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . - وفي الآية ( 62 ) : قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ . - وفي الآية ( 64 ) : قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ . - وفي الآية ( 66 ) : بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ . فأولى مصيباتهم أنهم يعدلون بغيره ، وتختلط عندهم مقاييس الحق والباطل ، بالرغم من أن أعظم صفات العقل تمييز الحق عن الباطل ، والخير عن الشر ، والنفع عن الضرر ، أما المصيبة الثانية : الجهل وعدم العلم ، وجهلهم آت من غفلتهم ، وعدم تذكرهم ذلك ، والطريق إلى