السيد محمد تقي المدرسي

281

من هدى القرآن

على أوامر الله بسببها ، وعندما نقرأ حياة الأنبياء مع أقوامهم تجد أن أساس الفساد لدى الجميع واحد وهو : ضعف الإيمان بالله ، وبالتالي الشرك به ، مهما اختلفت مظاهر الفساد من قوم لآخر ، والشرك بالله هو السبب المباشر لضعف الإنسان ، وانبهاره بزينة الحياة الدنيا إلى حد الانهيار أمامها ، بينما كان عليه أن يسخرها لنفسه ، ولقد أسجد الله الملائكة له تعبيرا عن خضوع الطبيعة ، لأن الملائكة الموكلة بها سجدت له ، ومن جانب آخر علم الله آدم الأسماء ، وأعطاه العلم والعقل وسيلة لتسخير الحياة في صالحه . ولكن الإنسان كثيراً ما يختار اتباع الهوى ، والخضوع لطبائعه بسبب وساوس إبليس ، ولا شك إن الذي يعجز عن السيطرة على نفسه ، وإخضاع طبائعه لعقله وللعلم الذي أعطاه الله إياه ، سوف لن يسخر الطبيعة من حوله ، لأنه حينذاك سيصير جزءا منها ، ولن يسخر البشر الطبيعة في صالحه إلا بالإرادة ، والسيطرة على النفس ، والنظريات التي تغفل جانب الإرادة في الإنسان هي التي تؤمن بالحتميات ، وتسلب الثقة من الإنسان بنفسه أمام ضغط الظروف المختلفة . فالنظرية الماركسية تقول : إن الاقتصاد يدير الحياة ، وإن وسائل الإنتاج هي التي تصوغ المجتمع ، وتسير التأريخ ، وبدلا من أن يشرف الإنسان على الاقتصاد ، يشرف الاقتصاد عليه ، والنظرية الاجتماعية تقول : إن الوسط الاجتماعي ، والمرحلة الاجتماعية التأريخية هي التي تصوغ حياة الإنسان ، وإن التوافق الاجتماعي هو أقوى إحساس يدفع البشر نحو اتجاه معين . وهناك نظرية متطرفة في علم النفس وضعها فرويد ترى أن الإنسان يخضع لشهواته الجنسية مباشرة ، أو عن ردود أفعال وإحباطات معينة ناتجة منها ، وكل هذه النظريات قد تكون صحيحة ، ولكن حينما يفقد البشر الإرادة والإيمان بالله ، أما المؤمن فهو فوق كل هذه الحتميات عندما يسيطر على نفسه . فلا الشهوة الجنسية ، ولا المجتمع الفاسد ، ولا الاقتصاد ، أو السياسة ، أو أي عامل مادي آخر يستطيع إخضاعه والسيطرة عليه ، وهذا هو جوهر الإسلام الذي تؤكده الآيات الأخيرة من هذا الدرس . وأيهما أفضل للإنسان أن يعبد الحجر ومثيله الإنسان ، والطبيعة التي كلف بتسخيرها ، أو أن يعبد الله ؟ فعبادة الله هي التي تتوافق مع فطرة الإنسان وعقله ، لأن الإيمان مغروس في البشر منذ عالم الذر ، يوم قال الله لبني آدم : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [ الأعراف : 172 ] إلا إن العوامل المختلفة وأهمها نفس الإنسان هي التي تحجب البشر عن هذه الحقيقة ، ولا سبيل له للمحافظة على عهده مع الله إلا بترويض النفس والسيطرة عليها . لا يجد الإنسان - مهما بلغ به الإلحاد - ملجأ غير الله في لحظات الخطر ، فلو ركب سفينة ،