السيد محمد تقي المدرسي

257

من هدى القرآن

بعض أسفارهم مروا بوادي النمل فإذا بملكتهم تناديهم : أن يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ، فإن سليمان وجنوده قادمون ، وأخشى أن يحطموكم بأقدامهم وحوافر خيولهم ، فتبسم سليمان منها حين سمعها . قد تكون للإنسان معارف وأفكار لا تستثار إلا بحوادث تطرأ على حياته ، فينتبه لها ، وقد يكون غافلا عن نفسه فإذا بظاهرة أو حادثة طارئة تثيره لتفتح له أبواب المعرفة والعلم ، فقد بدأ العالم المعروف ( نيوتن ) أبحاثه عن الجاذبية لأنه شاهد تفاحة تسقط من الشجرة إلى الأرض ، فتساءل : لماذا لا تصعد إلى السماء ؟ ! وانتهى إلى نظرية الجاذبية . وقد بلغ سليمان عليه السلام من القوة والسلطة شأنا بعيدا ، فغفل أو تغافل حدود سلطانه - وهذا هو شأن الأنبياء والصالحين - فهم كلما زاد إيمانهم زاد تواضعهم لله ، ولم يأبه سليمان عليه السلام بالجوانب المادية للملك ليخرجه عن توازنه وعبادته لله - كما هو شأن سائر الملوك - بل لم يكن الملك بالنسبة إليه وسيلة للتكبر والاستعلاء ، بل وسيلة لإقامة العدالة على الأرض ، فقد كان يقضي النهار صائما والليل قائما متعبدا لله سبحانه ، ولم يتذكر عليه السلام مدى سلطانه إلى أن سمع خطاب النملة مما أثر فيه ، فاندفع نحو ربه شاكرا له على نعمه المتوالية ، وهذا يؤكد حقيقة هامة وهي : انعكاس ما يحدث للإنسان على العوالم المحيطة به ، فالعدالة تشمل الإنسان والطبيعة من حوله ، وهكذا الظلم . وقد تعجب سليمان عليه السلام من خطاب النملة ! فكيف به وهو العبد الضعيف أن تبلغ قوته حدا يخشاه حتى النمل ! لذلك اندفع نحو الشكر لله ، خشية أن يكون شعوره بالقوة سببا للكفران بالنعم والطغيان . لذلك بادر طالبا من الله التوفيق إلى شكره ، ليس فقط شكرا نفسيا ولفظيا بل وعمليا أيضا ، وذلك بأن يستخدم ما وهبه الله من القوة والمنعة والملك في سبيل عمل صالح يرضيه تعالى ، فليس كل عمل صالح بذاته يرضي الله ، فلو انقطع شخص لله بالعبادة صياما وصلاة ولكنه انعزل عن الناس والكد على من يعولهم ، فإن هذا العمل لا يرضي الله وإن كانت الصلاة في ذاتها عملا صالحا . كما جرت لسليمان عليه السلام حادثة أخرى تكشف لنا عن ملكه وطريقته في الحكم ، حينما غاب الهدهد فظن في بادئ الأمر أنه خالف قواعد الانضباط ، فهدده وتوعده بالعذاب حتى يصير عبرة لسائر الجنود ، فلا يفكرون في مخالفة النظام فتعم الفوضى في الجيش ، وكان من عادة سليمان عليه السلام نتف ريش الطائر المخالف والمتخلف ، إلا إن الهدهد فاجأ سليمان عليه السلام حين نقل له خبرا مفاده : أنه رأى مملكة سبأ في بلاد اليمن ، ولم يكن لدى سليمان علم ظاهر بها ، لأنه كان يعيش في فلسطين ، إذ يجب أن تلتقي الحضارتان ( وهذه سنة الحياة ) وأضحى الهدهد هو الرابط .