السيد محمد تقي المدرسي
24
من هدى القرآن
يشرعها ، إذ يشكل الحلف مثلًا أحد أعمدة النظام الإسلامي في القضاء ، وعندما يفقد المجتمع روح الإيمان ، ويفقد الالتزام بما يقول ، وما يحلف به إذن لا يقدر على تنفيذ قيم الرسالة ، ولا يمكن أن يكون بالتالي نظامه نظاما إسلاميا بأي حال . وبالرغم من أن المجتمعات البشرية اليوم ، وصلت إلى حد من التقدم التكنولوجي يبهر الإنسان ، إلا أنها ما زالت فاشلة في الأنظمة الاجتماعية والإنسانية ، فلا يجد الفرد في المجتمع غير المؤمن وازعا من الحلف بالله كذبا من أجل بضعة دنانير ، بينما ميزة المجتمع المؤمن تحرج أبناءه من الحلف كاذبا . ولو راجعنا تاريخ الرعيل الأول من المسلمين ، لعرفنا إلى أي حد كان النظام القضائي ناجحا آنذاك ، فلقد كان المجتمع الإسلامي يسير من قبل الحكومة الإسلامية ، وتحل جميع مشاكله دونما أي صعوبة ، ذلك لأن المؤمنين يتحرجون من جعل الله عرضة لأيمانهم حتى ولو كانوا صادقين ، وكان البعض منهم مستعدا للتنازل عن حقه ، ودفع مبلغ كبير من المال ، ولم يكن مستعدا للحلف بالله العظيم . وننقل قصة الإمام زين العابدين ، كشاهد على ذلك ، فقد رفعت إحدى مطلقاته دعوى ضده عند القاضي ، مطالبة إياها بالمهر الذي كان يبلغ أربعمئة دينار ذهبا ، فلما ترافعا عند القاضي ، وأنكر الإمام أنها تطلبه شيئا ، طالبه القاضي بالحلف فرفض فحكم عليه ، ودفع الإمام المهر كاملا فلما خرج من عند القاضي سأله ابنه الإمام الباقر عليه السلام قائلًا له : « يَا أَبَهْ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ لَسْتَ مُحِقّاً ؟ . قَالَ عليه السلام : بَلَى يَا بُنَيَّ وَلَكِنِّي أَجْلَلْتُ الله أَنْ أَحْلِفَ بِهِ يَمِينَ صَبْرٍ » « 1 » . هكذا كانوا يتحرجون ، وعلى هذا قامت قواعد المجتمع الإسلامي . الأفاكون ومسؤولية المجتمع المسلم [ 11 ] إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ من الذين اتهموا زوجة الرسول ؟ . سؤال لا تهمنا الإجابة عليه بالأسماء ، بل تهمنا طبيعة هذه العصبة وهدفهم من التهمة ،
--> ( 1 ) الكافي : ج 7 ، ص 435 ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : أَنَّ أَبَاهُ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ أَظُنُّهُ قَالَ : مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ : يَا ابْنَ رَسُولِ الله إِنَّ عِنْدَكَ امْرَأَةً تَبَرَّأُ مِنْ جَدِّكَ ، فَقُضِيَ لِأَبِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا فَادَّعَتْ عَلَيْهِ صَدَاقَهَا فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمَدِينَةِ تَسْتَعْدِيهِ ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ : يَا عَلِيُّ إِمَّا أَنْ تَحْلِفَ وَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَهَا [ حَقَّهَا ] فَقَالَ لِي : قُمْ يَا بُنَيَّ فَأَعْطِهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَهْ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ لَسْتَ مُحِقّاً ، قَالَعليه السلام : بَلَى ؛ يَا بُنَيَّ وَلَكِنِّي أَجْلَلْتُ الله أَنْ أَحْلِفَ بِهِ يَمِينَ صَبْر » .