السيد محمد تقي المدرسي

197

من هدى القرآن

هدى من الآيات : في سياق تبيان الصراع بين رسالات الله وثقافة الشعراء يضرب لنا الرب مثلا من قصة إبراهيم وقومه ، وكيف أوحى الله إليه بمقاومة الفساد العريض الذي تردوا فيه ، فعبدوا الأصنام ، وحين سألهم عن ذلك إبراهيم لم يملكوا حجة ، بل قالوا : إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، فأعلن البراءة منهم ومن آبائهم ومن أصنامهم ، وتوجه إلى عبادة رب العالمين ، الذي أعطاه خلقه وهداه ، وطعامه وشرابه وشفاه ، وهو يميته ويحييه ، ويرجو مغفرته يوم يلقاه ، وتضرع إليه : أن يهب له الحكم ، ويلحقه بمن مضى من الصالحين ، ويجعله فاتحة عهد صالح ، وأن يرزقه الجنة ، ويغفر لأبيه لأنه كان من الضالين ، ولا يخزيه يوم البعث بالنار ، إنه يوم لا تنفع الأصنام ، كما لا يغني اتباع الآباء شيئا ، فلا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . في ذلك اليوم تزلف الجنة ليدخلها المتقون ، وتبرز النار ليدخلها الغاوون ، الذين يسألون : أين ما كنتم تعبدون من دون الله ، فأين ذهبت أصنامكم ، وأين تولى آباؤكم . هل هم قادرون اليوم على نصركم أو نصر أنفسهم ؟ ! فلما لم يحيروا جوابا أفحموا في النار مع الغاوين ، وجنود إبليس أجمعين . وهناك تبين مدى ضلالتهم ، حيث اختصموا في النار ، فقال الكفار لأوليائهم : إنا كنا في ضلال مبين إذ نجعلكم سواء مع رب العالمين ، وأنحوا باللائمة على الذين أضلوهم - لعلهم عنوا بهم أدعياء الدين والعلم - ونعتوهم بالإجرام ، وقالوا : لا أحد يشفع لنا ولا يصدقنا ، ويهمه أمرنا ، وتمنوا لو كانت لهم كرة حتى يكونوا مؤمنين . ويختم القرآن هذا الدرس ، كما ختم قصة موسى عليه السلام بأن كل ذلك آية ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ، ثم يذكرنا باسمي العزة والرحمة لربنا العظيم . بينات من الآيات : [ 69 - 70 ] نستوحي من قصص سيدنا إبراهيم عليه السلام أن فطرته الإيمانية تجلت حتى قبل أن يوحى إليه ، فإذا به يواجه أكبر فساد استشرى في قومه وهو عبادة الأصنام ، واتباع الآباء وتقليد الأجيال السابقة على غير هدى . يبدأ انحراف البشر بسبب همزات الشيطان ، ودفعات الشهوات ، ولكنه سرعان ما يلبس ثياب الشرعية ، ويضفي عليه أدعياء الدين والعلم وبأمر من المترفين القداسة الدينية ، وكذلك كانت عبادة الأصنام عند قوم إبراهيم وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ( 69 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا