السيد محمد تقي المدرسي

184

من هدى القرآن

موسى ، فأشاروا عليه بحبسه ، وبعث عيونه إلى أطراف البلاد لجمع السحرة الماهرين ، فلما حشروا ليوم عيد دعوا الناس للاجتماع ، محددين هدفه سلفا باتباع السحرة ، وجاء السحرة طالبين من فرعون أجرهم فبالغ في إعطاء الوعود لهم ، فقال لهم موسى : ألقوا حبالكم ، فلما فعلوا أقسموا بعزة فرعون أنهم هم الغالبون . وقد ترددت كلمة الغلبة في الآيات إشارة - في ما يبدو - إلى حدة الصراع ومصيريته . وألقى موسى عصاه فإذا بها تلتهم إفكهم ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ( 46 ) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ وانقلب السحر على الساحر . أما فرعون ( الذي لم ينقصه العناد ) فقد قال لهم : لماذا آمنتم به قبل أن آذن لكم ؟ ( واحتوى الهزيمة سريعا ) وقال لهم : إنه قائدكم ، وأنتم تشاركون معه في الثورة ، وهددهم بأنه سوف يقطع أيديهم وأرجلهم ، وليصلبنهم أجمعين . ومرة أخرى أثبتت الرسالة قوتها حيث قال السحرة : لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ الذي نطمع أن يغفر لنا خطايانا ، وأن يجعل مبادرتنا إلى الإيمان كفارة لذنوبنا . بينات من الآيات : جمع السحرة [ 34 ] لا بد أن يكون صاحب الرسالة مستعدا أبدا لتطورات الصراع ، ومضاعفة التحديات ، حتى تبلغ الذروة ، فهذا النبي العظيم موسى افتتح دعوته بقول لَينِّ ، واستمر على ذلك النهج بالرغم من استفزاز فرعون بسخريته اللاذعة ، ولكن فرعون توعده بالسجن فجاءه موسى بشيء مبين ، ومضى فرعون في طريق العناد فاتهم موسى بالسحر . قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ويبدو أن السحر كان منفورا منه بالرغم من انتشاره بين الناس يومئذ ، وقد ألصق تهمة السحر بموسى ولكنه ما لبث أن استعان بالسحرة ووعدهم بأن يجعلهم من المقربين إليه ، ثم لما آمنوا عاد واتهم موسى بأنه كبيرهم . وهكذا يتقلب الطغاة حسب مصالحهم ، وهذا التقلب - بذاته - دليل زيفهم . [ 35 ] جبل الإنسان على حب أرضه التي نبت منها ، ويستغل الطغاة هذا الحب بصورة قذرة ، ويدعون أبدا أنهم حماة الأرض ، ودعاة الأمن من الخطر الخارجي أو الداخلي .