السيد محمد تقي المدرسي

172

من هدى القرآن

صادق عن سنن الله في خلقه . أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ سر في الأرض ، واطلع على حقل ناضر ، وقف عند شجرة مثمرة ، ماذا ترى ؟ أنها جد متكاملة ، تضرب بجذورها في الأرض ، وتقوم على ساقها الغليظة ، وتنشر فروعها من حولها بتناسق ، وتتحدى الرياح والأنواء والآفات بعشرات من الأنظمة التي أودعها الرب فيها ، ثم ماذا ترى ؟ ترى أن هذه الشجرة - بالرغم من تكاملها الكريم - بحاجة إلى زوج تتكامل به . كيف جعلها الله غنية وكريمة من كل جانب ، وكيف جعلها محتاجة إلى غيرها في هذا الجانب بالذات . أوليس في ذلك دليل يهدينا إلى ربنا ، وإلى أنه رحيم ، وآية رحمته تكاملية نعمه وشموليتها ، وأنه عزيز وآية عزته أنه جعل كل شيء في الخلق محتاجا إلى غيره ، فخلق من كل شيء زوجين اثنين ليهدينا إلى أنه وحده العزيز الغني سبحانه . [ 8 ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً إنها تكفي الإنسان حجة لو بحث عن الحجة ، ودليلا لو أنه اهتدى بدليل ، ولكن أكثر الناس لا يبحثون عن حجة ، ولا يريدون دليلا . وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تنتظر إيمان الناس حتى تؤمن معهم ، إنما بادر إلى التسليم للحق . [ 9 ] إن عزة الله تتجلى في سنة ( الزوجية ) بينما تتجلى رحمته في الكرامة التي أسبغها على الأشياء ، فلم يمنع عن الناس حاجاتهم ، بل أودع في الأرض ما ينفعهم ، وكما خلق حاجة في هذا الطرف خلقها في الطرف الثاني ، فلم يزل هذا بذاك ، وذاك بهذا . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ والنفس المؤمنة تعيش التوازن بين اسمي العزة والرحمة ، أي بين الخوف من غضب الله ، والرجاء لرحمته ، وأكثر الناس تغرهم رحمة الله ، فيغفلون عن عزته ، يقول الدعاء : « إِلَهِي أَذْهَلَنِي عَنْ إِقَامَةِ شُكْرِكَ تَتَابُعُ طَوْلِكَ وَأَعْجَزَنِي عَنْ إِحْصَاءِ ثَنَائِكَ فَيْضُ فَضْلِكَ وَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ مَحَامِدِكَ تَرَادُفُ عَوَائِدِكَ » « 1 » . وجاء في دعاء آخر : « وَيَحْمِلُنِي وَيُجَرِّئُنِي عَلَى مَعْصِيَتِكَ حِلْمُكَ عَنِّي وَيَدْعُونِي إِلَى قِلَّةِ الْحَيَاءِ سَتْرُكَ عَلَيَّ وَيُسْرِعُنِي إِلَى التَّوَثُّبِ عَلَى مَحَارِمِكَ مَعْرِفَتِي بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ وَعَظِيمِ عَفْوِكَ » « 2 » . إنما المؤمنون يقاومون هذه الغفلة بذكر نعماء الله ، والتنبه إلى احتمالات ذهابها .

--> ( 1 ) الصحيفة السجادية : مناجاة الشاكرين . ( 2 ) البلد الأمين : ص 206 . من دعاء أبي حمزة الثمالي .