السيد محمد تقي المدرسي
152
من هدى القرآن
- 3 قيام الليل [ 64 ] وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً قليل هم الذين يحييون ليلهم بالعبادة ، مكثرين من الصلاة والدعاء تضرعا لله وخوفا منه . والناس في نوم عميق ، والكثير من الناس من يطمح في الوصول إلى مستوى عباد الرحمن ، ولكن لا يستطيع فلماذا ؟ . لأن هذا القسم من الناس يريدون إجبار أنفسهم على الفضائل وهي لا تأتي بالإكراه ، وإنما بصياغة الشخصية ، فإذا لم تنعكس آيات الرحمن على سلوك الإنسان ، فلا ينمي نفسه بالسجود له ليلا لأنه سيرى نفسه عاجزا أمام هجوم النوم ، أما عندما تتجلى آيات الرحمن أمام ناظريه ، وتنعكس على سلوكه فتصوغ شخصيته ، آنئذ لا يستطيع النوم ليلا بل تتجافى جنوبهم عن المضاجع . فالأصل في كل فضيلة معرفة الله وإصلاح النفس ، فمن لا يعرف الله ، ومن ثم لا يصلح نفسه لا يحصل من الفضائل الأخرى على شيء ، إذ ليست المسألة مسألة تكلف بقدر ما هي سجية لقلب الإنسان . - 4 التقوى من النار [ 65 ] وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إن شهيق جهنم وزفيرها لا يعزب عن بالهم طرفة عين أبدا ، بل تتجسد صور النار أمام أعينهم في كل لحظة ، فيقول أحدهم : إلهي اصرف عني عذاب جهنم ، وكأنه يرى نفسه ينصلي فيه ، أولا يقول تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ( مريم : 72 71 ) . فكل إنسان سيمر من فوق الصراط على جهنم ، والعاقل من فتش عن سبيل للنجاة . إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً أي إن عذاب جهنم يلزم الإنسان الذي يدخله ، وإنه لخسارة كبرى ، فليس الخسران الحقيقي خسران الدنيا بما فيها من لذات ، وإنما الخسارة أن يخسر الإنسان رحمة الله في يوم القيامة حيث المطاف الأخير . [ 66 ] إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً فهي ليست مستقرا مرغوبا كي يقيم فيه الإنسان ، وليست مكانا طيبا يصلح أن يستمر فيه .