السيد محمد تقي المدرسي

147

من هدى القرآن

إيمانه بسيطا يخرجه عن حدود الجحود والكفر فقط ، فإن عليه أن يبحث عن آثار الإيمان الصادق ، فإذا كانت موجودة بصورة كاملة على سلوكه وتصرفاته كان وإلا فلا . لذا نجد القرآن يربط بين من يؤمن بالله إيمانا كاملا - والذي ينعكس في صورة توكل على الحي الذي لا يموت - وبين سلوكيات عباد الرحمن كما تصفهم الآيات الكريمة . 4 - كلما عرف الإنسان ربه بالتقرب إليه من خلال العبادة ، كلما عرف نفسه بصورة أكمل ، فهاتان معرفتان متقابلتان ، وسبب المقابلة أن الله هو خالق الإنسان ، فإيمانه بالإله الخالق يدعوه للإيمان بالعبد المخلوق . مما يجعله عارفا بمدى عبوديته وضعفه ، أو محدوديته وضيق أفقه ، وبين الأمرين ( معرفة الله ، ومعرفة النفس ) تتنامى نحو التكامل الشخصية الإيمانية لدى الإنسان المؤمن . كذلك يبصرنا القرآن بآيات ربنا المبثوثة في الآفاق ذكرى من بعد ذكرى فيقول تعالى : الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ حينما يقف الإنسان على ربوة تل ، فيرمي ببصره نحو الأرض الممتدة من تحته ، أو السماء الواسعة من فوقه ، فإنه ينبهر بكل ذلك ، وهنا وفي لحظات الانبهار بالذات ، عليه أن يجعل الانبهار سبيلا إلى الإيمان بالله ، فكلما وجد عظمة وقدرة وجمالا وروعة تتجلى في الخلق ، كلما تعمق إيمانه بعظمة الخالق . ولعل خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ، دليل على أنه يطورهما باستمرار ، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن ، وهذا لا يدل على عجز الله ، بل يشير إلى استمرار الهيمنة الإلهية عليهما ، فلم يتركهما بعد الخلق لشأنهما سدى . ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وعلى هذا فهناك علاقة سياقية بين كلمتي فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ حيث تشير الآية إلى أن الذي خلق السماوات والأرض يشرف عليهما ويدبر أمرهما . وثُمَّ اسْتَوَى : أي هيمن على العرش ، وهو رمز التدبير بعد التقدير والإمضاء بعد القضاء . الرَّحْمَنُ تتكرر كلمة الرحمن في مواضع كثيرة من هذه السورة ، ولعل الحكمة في ذلك أن الرسالة الإلهية هي أعظم منة من ربنا علينا ، وأن السبيل إلى الإيمان بها يمر عبر الإيمان بأن الله هو الرحمن ، وأن آيات رحمته في الخلق تجعلنا نثق بل نوقن أنه لن يترك عباده في بؤر الجهل والضلالة . تتجاذبهم شهوات المترفين ، ونزوات المستكبرين . إذا فلنؤمن برسالته التي يشكل إرسالها أكبر شاهد على رحمته . فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً أي فاسأل بهذا الأمر ( خلق السماوات والأرض وعلى مراحل