السيد محمد تقي المدرسي

130

من هدى القرآن

بالشهادتين ، وتقول بنزول القرآن من الله ، فآمنا بذلك إيمان التقليد والوراثة ، وتتضح حقيقتنا عند ساعات الحرج التي يسميها القرآن بالعقبة ، والتي من واجبنا اقتحامها ، وفي الآية إشارة إلى أن الكفر بالنشور سبب سائر مفردات الكفر . [ 41 ] وبعد أن ذكرنا الوحي بمصير المكذبين بالوحي . لعل القلوب تلين فتستقبل الرسالة . أخذ يداوي أمراض القلوب الجاحدة . ذلك أن مرض الاستهزاء بصاحب الرسالة ، يقف حاجزا دون استقبال نور الوحي . أرأيت لو استصغرت أحدا . واستهنت بكلامه أيضاً ، ولكن لماذا استهزؤوا بالرسول الكريم ؟ . لأن قلوبهم أشربت بحب المادة ، فلم تعد تعترف إلا بالثروة والقوة والجاه العريض ، وبهذه المقاييس وزنوا العلم والفضيلة ، وأرادوا أن تكون موازين الرب تابعة لأحداثهم الشاذة ، ونظراتهم الضيقة . وقد بين القرآن في مطلع السورة هذه سخف تلك المقاييس المادية ، ولكنه - كما يبدو لي - عاد هنا إلى ذات الحديث ليذكرهم بخطأ منهجهم العلمي ، فهل من الصحيح أن نرفض إنذارا وراءه التدمير والتتبير عبر الاستهزاء بمن يحمله . هب أنه كما يحسبون - حاشا لله - فهل من العقل أن نقع في البئر لمجرد أننا لا نكرم من أنذرنا ؟ . وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا من هذا حتى نتبعه ، أو نستجيب لإنذاره . [ 42 ] وكم هؤلاء غارقون في الغباء والضلال فلقد كاد الوحي يصل قلوبهم ، وكادت أنوار الهداية تخترق حجب العناد في أنفسهم ، ولكنهم صبروا على آلهتهم ، واستقاموا على الضلال بعناد وجحود ، فرأوا الهداية ضلالا ، والإصرار على الضلال صبرا على الحق . يا ويلهم ما أكفرهم قالوا : إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا . [ 43 ] وإن هذه العقبة النفسية منشؤها عقبة أخرى تحصل بتغيير محور الإنسان من القيم إلى الهوى . فيتبع أهواءه بدل عقله ، مما يجعله لا يميز الحق من الباطل . إن عبادة الأهواء أساس كفر الإنسان ، لأن مقياسه في تقييم الحياة سيكون - آنئذ - شهواته ( حبه وبغضه ) لا عقله وعلمه ، فلأن فلانا محبوب لديه فهو جيد ، وأفكاره سليمة ، فيتبعه ، ولأن فلانا الآخر مبغوض عنده ، فهو خبيث وكل أفكاره خاطئة ، وسلوكه منحرف .