السيد محمد تقي المدرسي
124
من هدى القرآن
ونحن نرى أن القرآن نزل مرتين : - هبط به الروح الأمين جملة واحدة على قلب النبي الأمي صلى الله عليه وآله في ليلة القدر ، حيث قال ربنا سبحانه : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [ الدخان : 3 ] وقال : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] هكذا نزل القرآن دفعة واحدة . - نزل مفرقاً حسب الظروف والمناسبات ، حيث كان سبحانه يأمر رسوله بأن يتلو كل آية في مناسبتها ، وربما تدل على ذلك الآية الكريمة : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [ القيامة : 16 - 17 ] . [ 33 ] ربنا الرحمن شافى بالقرآن أمراض المجتمع البشري المتمثلة في الثقافات الجاهلية . فكلما طرحت فكرة جاهلية غامضة جاء الوحي بالحق المبين وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً . ما هو المثل ؟ . يبدو أن كل مجموعة فكرية يعبر عنها بمثل ( أو حسب تعبيرنا اليوم بشعار ) والأمثلة عند الناس تختزل حشدا متناسقا من الأفكار ، وتعبر عن سلسلة فكرية متشابكة . ولتوضيح ذلك دعنا نضرب مثلا : ألف : العشائرية نهج اجتماعي ، وقيمة فكرية كان شعارها : ( أنا وأخي على ابن عمي ، وأنا وأخي وابن عمي على الغريب ) . ولكن القرآن يقول : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [ النساء : 135 ] ، إن هذا هو الحق يواجه ذلك المثل الشائع . باء : القومية إطار سياسي يعبر عنه المثل ينفيه القرآن بقوله : أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [ فصلت : 44 ] وتقابلها العالمية الإسلامية التي يقول عنها الرب : إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 92 ] . جيم : وهكذا عبادة الأصنام منهج سياسي عبر عنه قريش بشعارهم في غزوة أحد : قال أبو سفيان : ( اعْلُ هُبَلُ . - وقابلها الرسول بالحق حيث قال - : اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ » « 1 » . وهكذا في سائر الحقول جاء الوحي منجما لكي يواجه الثقافات الجاهلية مثلًا بمثل أحسن ، وفكرة باطلة بحق واضح ذا تفسير حسن بليغ .
--> ( 1 ) بحارالأنوار : ج 20 ، ص 23 .