السيد محمد تقي المدرسي

116

من هدى القرآن

مَحْجُوراً أي ليت بيننا وبينهم حاجزا يحجبهم عنا ، فنتخلص من هول الموقف ، الذي لا طاقة لنا به . وكانت هذه الكلمة إيذانا بالتسليم عند العرب ، والطلب من العدو ألا يضر به . [ 23 ] وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً فالكدح الذي كدحوه في الدنيا ، للحصول على الثروة والجاه ، سيضيع من أيديهم ، ولن يجدوا غير الحسرة والندامة . لأنهم كانوا يعيشون ضيق الأفق ، فلم يحسبوا للآخرة حسابها ، ولعل في الآية إشارة إلى أن الأعمال الصالحة لا تنفع من دون طاعة الرسول والقيادة الشرعية . [ 24 ] أما ما يقدمه المؤمنون برسالة الله ، المصدقون لرسوله فإن الله عزّ وجلّ سيحفظه لهم ، ويعيده عليهم في صورة ثواب عظيم وجزاء كريم ، يدخلهم الجنة ، وسيكونون فيها صالحي البال ، يشعرون بالاستقرار والطمأنينة ، وينامون ملء أعينهم ، كما ينام الإنسان وقت القيلولة لا يزعجه ألم ولا يهدده خطر : أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلًا . [ 25 ] وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ، ربما يكون تفسير هذا المقطع من الآية ، أن السماء تنفطر وكأنها غمام ، أو أن فيها غماما ينكشف عن السماء . وكم هو مريع حين تنفطر هذه السماء المترامية الأطراف أمام ناظري هذا الإنسان الضعيف الذي لا يتحمل أبسط الشدائد . من جهة أخرى : لقد جعل الله السماء سقفا محفوظا ، وجعل منظرها في النهار بهيا ، وفي الليل جميلا ، وجعل فؤاد البشر يطمئن إليها ، وإنما يسعى الإنسان للدفاع عن نفسه عبر وضع الحواجز من حوله ، ولا يمكنه أن يحتاط لنفسه عن الأخطار التي تصله من السماء . لذلك كان تشقق السماء - هذا السقف المحفوظ - أشد رهبة وأعظم . والخطر لا ينزل بصورة عمياء كالصاعقة أو الشهب المتساقطة ، كلا . . بل يتنزل الملائكة الغلاظ الشداد ، يأخذون المجرمين ويسلكونهم في الأغلال ويسحبونهم إلى النار وساءت مصيرا . وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا فئات فئات ، والمرة تلو الأخرى . الخوف والرجاء [ 26 ] الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ بالرغم من أن الملك لله في كل حين ، وعلى كل حال ، إلا أن ملكوت الله يتجلى بصورة أظهر وأعظم في يوم القيامة ، وقد ذكرت الآيات بصفة الرحمة الإلهية في هذا المورد ، وليس بصفة الغضب لتشير إلى أنه في الوقت الذي تتجلى قوة الرب