السيد محمد تقي المدرسي
114
من هدى القرآن
ثانياً : بأن تلك وسيلة لامتحان الناس ، فهل يصبرون على الطاعة أم لا . وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ فلم يكن الرسول بدعا ، وإنما جاء خاتما لمسيرة مباركة ممتدة . والجاهلون لم يستوعبوا هذه السنة لأحد الأسباب التالية : ألف : لجهلهم بواقع البشر ، وزعمهم : أن الإنسان لا يمكن أن يكون رسولا لرب العالمين ، كلا . . الإنسان كريم عند ربه إذا عبده وأطاعه . باء : لزعمهم : أن الرسول ينبغي أن يكون غنيا أو مقتدرا ، وقد نسف القرآن آنفا أساس هذه الفكرة القائمة على تقديس المادة . جيم : لجهلهم بحكمة الخلق ، حيث زعموا : ان الله يريد هدايتهم حتما ، بينما الله شاء بحكمته البالغة أن يهديهم بطوع إرادتهم ، وليس بصورة حتمية ، وهكذا امتحنهم بالرسول الذي هو منهم ، وأمرهم بطاعته لينظر هل يصبرون وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ . ومنهج القرآن الكريم هو بيان الحكم عند بيان ما يناسبها ، ولذلك تتسع آياته لتشمل ما وراء حدود السياق . وهكذا نجد أن هذه الحكمة البالغة تذكر هنا بمناسبة الحديث عن الرسول لتبين لنا : أن طاعة الرسول ، والمخالفة لهوى النفس نوع من الفتنة بالنسبة إلى الناس . ولكن الآية تعطينا أيضاً بصيرة نافذة تكشف الكثير من أسرار الحياة . فالغني فتنة للفقير الذي قد يكفر في الكذب أو الغش والسرقة كي يصبح مثله غنيا ، وكذلك الغني فتنة للفقير ، فهو مبتلى به أمام الله ، إما بالبخل والربا أو بالغرور والتكبر . عنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ : « جَاءَ رَجُلٌ مُوسِرٌ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله نَقِيُّ الثَّوْبِ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله فَجَاءَ رَجُلٌ مُعْسِرٌ دَرِنُ الثَّوْبِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ الْمُوسِرِ فَقَبَضَ الْمُوسِرُ ثِيَابَهُ مِنْ تَحْتِ فَخِذَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله : أَ خِفْتَ أَنْ يَمَسَّكَ مِنْ فَقْرِهِ شَيْءٌ ؟ ! قَالَ : لَا ، قَالَ صلى الله عليه وآله : فَخِفْتَ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ غِنَاكَ شَيْءٌ ؟ ! . قَالَ : لَا ، قَالَ صلى الله عليه وآله : فَخِفْتَ أَنْ يُوَسِّخَ ثِيَابَكَ ؟ ! . قَالَ : لَا قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله إِنَّ لِي قَرِيناً يُزَيِّنُ لِي كُلَّ قَبِيحٍ وَيُقَبِّحُ لِي كُلَّ حَسَنٍ وَقَدْ جَعَلْتُ لَهُ نِصْفَ مَالِي ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله لِلْمُعْسِرِ : أَ تَقْبَلُ . قَالَ : لَا ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : وَلِمَ ؟ ، قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَدْخُلَنِي مَا دَخَلَكَ » « 1 » .
--> ( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 263 .