السيد محمد تقي المدرسي

97

من هدى القرآن

بأن ينفخوا في النار حول هذه القطع الحديدية ، فأشعلوا النار وأخذوا ينفخون فيها كما ينفخ أصحاب صناعة الحديد قديماً في النار بطريقتهم الخاصة . قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً التهب الحديد من شدة النار وهكذا التحمت القطع الحديدة ببعضها ، ولم يكتف بذلك بل قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ثم طالبهم بأن يأتوا إليه بالنحاس المذاب ، ثم يصبونه على القطع الحديدية المحماة ، ثم يتركونها مدة حتى تبرد ، فإذا بسد عظيم بين الجبلين مبني من قطع الحديد المتلاصقة ببعضها ، وعليها النحاس . . يزيده قوة لأنَّ الحديد تتضاعف قوته مع النحاس كما يقول أصحاب الفن ، يسد الخلل بين قطع الحديد . ويمنع عنه الصدأ . وإذا كان هذا السد هو الموجود حالياً في منطقة القوقاز فإن سلسلة الجبال التي تشكل حاجزاً طبيعياً بين مناطق المغول ومنطقة القوقاز تكون قد اكتملت بهذا السد وأصبحت كحائط عظيم حيث أن مكانه هي الثغرة الوحيدة في المنطقة ولقد كان من أروع الإنجازات المعمارية في ذلك اليوم ولعلّه حتى اليوم يعتبر أقوى سد في العالم . [ 97 ] فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً كان مرتفعاً بحيث لم يستطيع يأجوج ومأجوج أن يتسلقوه ، وكان متيناً بحيث لم يستطيعوا أن ينقبوا من تحته نقباً ، ولعلَّ ذا القرنين كان قد حفر حفيرة كبيرة وجعل الجدار الحديدي راسخا فيها بحيث لا يمكنهم النقب أيضا على المنطقة الصخرية الصلبة . إن كل ما قام به ذو القرنين ، إعطاء الخبرة ، وتنظيم قوة الناس في بناء هذا السد ، فهو لم يأت بالحديد ، ولا بالقطر ، ولا بالقوة البشرية من بلده ، كل الإمكانات كانت موجودة ومتوفرة ، ومع ذلك لم يتمكن أهالي تلك البلاد من الاهتداء إلى مثل هذا العمل ، أما للاختلافات الموجودة بينهم ، أو لعدم تنظيم قواهم ، أو لنقص في خبرتهم الحضارية ، فلم يعرفوا أنه من الممكن أن يجمعوا قطع الحديد إلى بعضها ، ويفرغوا عليها قطرا حتى تصبح سداً منيعاً ، وهذا ما يؤكد على إن السلطة القويمة هي السلطة التي تجمع قوى الناس وتعبؤها في سبيل مصلحتهم . إن بلاد المسلمين اليوم تفتقر إلى الصناعات الثقيلة برغم توفر كل الإمكانات لديها لإنشائها . لماذا ؟ لأن ذلك يستدعي تعبئة طاقات الأمة كلها . فالسلطة يجب أن تبني المعاهد العلمية والفنية المتقدمة لإعداد العلماء والفنيين ، الذين يمكنهم الاستفادة من الإمكانات البشرية ، والمادية بهذه الأمور ، وتوفر الخطة والمال والقوانين المنسقة من أجل بناء صناعات متقدمة ومدنية راقية ، وهناك يبدأ دور التعب في السعي والكد والإبداع .