السيد محمد تقي المدرسي

9

من هدى القرآن

الإطار العام : أخلاقيات النهضة الإلهية إن القرآن الحكيم يتابع في سورة الكهف سلسلتين من القضايا : الأولى : عن زينة الحياة الدنيا ، وموقف الإسلام منها . والثانية : عن القضايا التي تتصل بالهدى والعلم والمعرفة . ولا ريب أن بين هاتين السلسلتين علاقات هامة ، إذ أن الإنسان الذي يتسلح بالهدى والعلم يتخذ موقفاً إيجابياً ومتسامياً من زينة الحياة الدنيا ، أما ذلك الذي يفقد هذا السلاح ، فإن موقفه من زينة الحياة الدنيا ومتاعها الزائل هو موقف الإتّباع المطلق ، والاستسلام التام . والواقع أن هذا من مظاهر إعجاز القرآن ، وبلوغه المنتهى في البلاغة ، حيث أن آياته الكريمة تتبع عدة خطوط متوازية ومتناسبة ، تتظافر على توجيه القلب البشري إلى قضية جوهرية واحدة ، إلا أن السلسلة الأولى كما يبدو هي المحور في آيات هذه السورة حيث تتحدَّث سورة الكهف عن الرؤية الإسلامية إلى زينة الحياة ، وكيف ينبغي على الإنسان أن يتحرر من ضغوط زينة الحياة وحب الدنيا ، وينظر إلى الحياة نظرةً موضوعيةً قوامها معرفة عاقبة الحياة ، والعلاقة الوثيقة بين زينة الحياة الدنيا والتمتع بها ، وبين عمل الإنسان . فنجد في هذه السورة قصة أصحاب الكهف والرقيم الذين تحرروا من حب الجاه الذي كانوا فيه ، واستطاعت إرادتهم السامية أن تقلع بهم من قاع الحياة المادية إلى سماء الحقيقة والقيم ، ونجد في هذه السورة أيضاً قصة معاكسة لذلك ، وهي قصة صاحب الجنة التي دخلها وزعم أنه خالد فيها ، وكلما نصحه الناصح الأمين وقال : إن هذه الجنة إنما هي بإذن الله ، ولولا أن تقول ما شاء الله حين تدخل جنتك ، فإنها سوف لا تنفعك ولكنه لم يقبل هذه النصيحة ، ودخل جنته وهو ظالم لنفسه وقال : ما أظن أن تبيد هذه أبداً ، إلى أن انتهت حياته وجنته جميعاً