السيد محمد تقي المدرسي
85
من هدى القرآن
لماذا بنى الجدار ؟ [ 82 ] وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فلو انهدم الجدار وجاء أهل المدينة وأرادوا أن يبنوا مكانه شيئاً ، لأكتشفوا ذلك الكنز الذي كان عبارة من دراهم ودنانير ، أو كما جاء في الأحاديث : إن هذا الكنز كان كتباً خاصة باليتيمين ، حيث كتب أبوهما فيهما مختلف الأشياء ، واحتفظ بها تحت الجدار فأراد الله أن يبلغا سن الرشد ويستخرجا كنزهما ويستفيدا منه ، فقد روى القمي عن الصادق عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : [ كَانَ ذَلِكَ الْكَنْزُ لَوْحاً مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ بِسْمِ الله لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله ، عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ كَيْفَ يَفْرَحُ عَجِبْتُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَفْرَقُ عَجِبْتُ لِمَنْ يَذْكُرُ النَّارَ كَيْفَ يَضْحَكُ عَجِبْتُ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وَتَصَرُّفَ أَهْلِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا ] « 1 » . إن هذه الآية والآية السابقة تدلان على فكرة هامة وهي : إن الله سبحانه وتعالى يكرم الإنسان لأجل أبويه وانه إذا عمل الإنسان عملًا صالحاً فإنَّ الله يكرمه ليس في ذاته فقط وإنما في أبنائه أيضا ، وإن كثيراً من حكم الحوادث في الحياة التي تقع دون أن نعرف طبيعتها مرتبطة ليس بالشخص ذاته ، وإنما مرتبطة بشخص آخر ، فلربما أكرم الله مريم الصديقة ، وأنشأها ، ورباها منذ نعومة أظفارها تلك التربية الزكية بسبب والدتها التي نذرت ما في بطنها محرراً ، وأكرم عيسى بسبب أمه مريم الصديقة ، وربما أكرم الله سبحانه كثيراً من الرجال المصلحين الذين ترى فيهم منذ طفولتهم آيات الشجاعة والذكاء من أجل آبائهم أو أمهاتهم جاء في الحديث عن العياشي عن الصادق عليه السلام : [ إِنَّ اللهَ لَيَحْفَظُ وُلْدَ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَلْفِ سَنَةٍ وَإِنَّ الْغُلَامَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَبَوَيْهِمَا سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ ] « 2 » . وقال : [ إِنَّ اللهَ لَيُصْلِحُ بِصَلَاحِ الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ وُلْدَهُ وَوُلْدَ وُلْدِهِ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتِ حَوْلِهِ فَلَا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ الله لِكَرَامَتِهِ عَلَى الله ] « 3 » . وهذا التكريم يشجع على العمل ، فحتى لو فكرت أنّك لن تحصل على النتيجة في حياتك ، ولكن الخير حتما آتيك إن كنت لم تزل حياً ، وإلا فسوف يأتي من بعدك أبنائك . كما أنّ العكس صحيح أيضاً حيث : إنّ الله سبحانه وتعالى قد يكتب هلاك إنسان يعلم
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 40 ، بحارالأنوار : ج 13 ، ص 285 ( 2 ) تفسير العياشي : ج 2 ص 336 ، بحار الأنوار : ج 13 ص 310 . ( 3 ) تفسير العياشي : ج 2 ، ص 337 ، بحارالأنوار : ج 67 ، ص 153 .