السيد محمد تقي المدرسي
79
من هدى القرآن
يخرقها إلا ليغرق أهلها . وكان هذا هو الهدف الوحيد المتوقع من وراء هذا العمل وقال : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي قمت بعمل عظيم ، وهذا خطأ آخر يدل على الجهل بالموضوع ، وهنا قال الخضر عليه السلام : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً . [ 73 ] فذكره بكل هدوء أعصاب بالاتفاق الذي كان بينهما ، فانطفأت ثورة موسى فوراً وذهب غضبه ، واعتذر عما بدر منه ، فقال لا تؤاخذني بما يعسر علي تحمله ، فمن الصعب على الإنسان أن يصبر على شيء لا يعرف عمقه وعاقبته ، لذلك طلب موسى من ذلك العالم أن لا يؤاخذه بما نسي قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ . هناك أمران ضروريان للتعليم هما : أولًا : على العالم أن يكون واقعياً فيعرف أن الآخرين بشر ، ويتعرضون للنسيان ، وخصوصاً مع غرابة المعارف بالنسبة للمتعلم . ثانياً : إن هؤلاء لا يتحملون كسب العلوم بطريقة الصدفة ، إنما يحتاج العالم أن يجعل برنامجاً متدرجاً للتعليم . ولذلك قال موسى : وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً الإرهاق هو إطباق الشيء على الشيء . وكأنَّ العسر يطبق على الشخص من جميع جوانبه . ثانياً يقتل غلاما [ 74 ] فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً في المرة السابقة قال عمل عظيم ولم يقل جريمة ، ولكنَّه في هذه المرة قال : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ومرة أخرى قال الخضر عليه السلام وبأعصاب هادئة : [ 75 ] * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً فتذكّر موسى مرة أخرى الشرط ، وأحسَّ بأنَّه خالفه للمرة الثانية ، ولأنَّه كان صادق العزيمة في إرادة التعلم فقد طلب فرصة أخيرة . [ 76 ] قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً وهذا أيضاً درس للعالم ، فالتلميذ يجب أن يعطي من جهده للاستفادة مما تعلمه ، والاستفادة ليس في سبيل نفسه ، وإنما في سبيل تعليمه وتنميته وتربيته ، والتلميذ الحقيقي هو الذي يأخذ إلى جنب المعرفة الصفات النفسية الفاضلة ، فيتعلم ، ويتدرب ، وينمي صفاته الحسنة ، ويزكي نفسه ، أما أن يتعلم دون أن يتدرب ، أو يزكي نفسه ، أو يربيها على التضحية والفداء ، فهذا تلميذ غير نافع .