السيد محمد تقي المدرسي

76

من هدى القرآن

فالآية الواحدة مثال لقدرة الله في الكون ، ولعلم الله بالأمور ، وهي تبين مختلف الأبعاد للحقيقة الواحدة ، أو مختلف الحقائق للحياة . وسورة الكهف إذ تحدثنا عن علاقة الإنسان بالحياة ، فإنها تحدثنا أيضاً عن علم الإنسان ، وقد يبدو هذان الأمران في هذه السورة غير منسجمين أو حتى مختلفين ، بينما الحقيقة هي أن علاقة الإنسان بزينة الحياة الدنيا وموقفه السليم منها ، ينشأ عن علم الإنسان بحقيقة الدنيا ، فلو عرف الإنسان ظاهراً من الحياة فقط استبد به الغرور ، وزعم بأن هذا الظاهر الذي يراه هو الحقيقة ، بينما لو تعمق قليلًا ووصل إلى جوهر الحياة الدنيا لعرف مدى تبدّلها وتغيرها ، وأن مخبرها غير ظاهرها ، ولذلك جاء في الحديث : [ الدُّنْيَا تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُر ] « 1 » . وهكذا الحديث عن الدنيا يستتبع العلم والهدى ، لأنَّ هدى الإنسان ومعرفته للحقائق معرفة عميقة وشاملة يدعوه إلى أن يتخذ موقفاً سليماً من زينة الحياة الدنيا ، وليس موقف الغرور والتسليم المطلق . وفي قصة موسى عليه السلام مع ذلك العبد الصالح الذي جاء في الأحاديث أنه الخضر عليه السلام يكتشف لنا جانب من هذه الحقيقة . فموسى عليه السلام كان نبياً ، وكان عارفاً بالشريعة ، إلا أنه يبحث عمن هو أعلم منه ليتعلم منه بعض ما يخفى عنه ، أو حكم الأحكام العامة والخاصة . وخلال تلقيه الدروس كان ينتفض أمام بعض الحوادث التي يراها ولا يتحملها ، فعندما ركبا في السفينة أخذ الخضر معولًا وثقب به جدارها ، فإذا بالماء يتدفق إلى داخلها ، وعندما صادفا شاباً في طريقهما حمل عليه الخضر فقتله ، وفي نهاية المطاف وصلا إلى بلدة وجد فيها الخضر بناء متداعيا ، فبذل مجهوداً كبيراً في ترميمه ، ولم يطلب مقابل ذلك من القوم أجراً برغم ما بدر منهم من سوء استقبال وإعراض عن الضيافة ، وكان وقع هذه الحوادث على موسى من الشدة بحيث كان الزمام يفلت منه كل مرة ، وينسى شرط الصبر الذي التزم به . إن عدم صبر موسى أمام الأعمال التي قام بها ذلك العبد الصالح ، لدليل على أن الإنسان لا يحتمل مجرد احتمال أن وراء علمه هذا مساحات مجهولة أخرى لم يبلغها ولم يتوصل إليها ، إن مجرد هذا الاحتم - ال يجعل الإنسان هادئاً ، بحيث ينظر إلى بعيد وراء الظاهر .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة 422 .