السيد محمد تقي المدرسي

55

من هدى القرآن

أشياء متحولة ومتغيرة كذاتك ، لا تغني عنك شيئاً إذا هجمت عليك نوائب الزمان . إن القرآن يعالج طبيعة الإنسان بعمق ، لأنَّ منزل القرآن هو الله الذي خلق هذا الإنسان ، والخوف متوغل في أعماق الإنسان الذي يرى أن كل شيء في الكون والحياة ، وحتى ذاته في تغير مستمر وحركة دائبة ، ولا شيء يثبت على حاله ، فهو في قلق مما سيحدث له في المستقبل ، لذلك يحاول أن يعتمد على شيء يطمئن إليه ، ولكن بدل أن يدفعه هذا الخوف إلى الاعتماد على الله والتوكل عليه ، والمزيد من الإلتصاق بمناهجه ، فإنه كثيراً ما يلجأ إلى الاستناد إلى متاع الحياة الزائل ، والتكاثر في الأموال ، ولذلك ينبه القرآن الإنسان أنه عندما يخاف من تغيرات الحياة وتقلبات الزمان فإنَّ هذا شعور سليم ، ولكن عليه إلا يوجه هذا الشعور نحو المال لأنه يزول ، بل يوجهه نحو الاعتماد على شيء يبقى . [ 38 ] لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أي إنني لا أزال على ديني . إن كثيراً من الفقراء والمحرومين حينما يجدون أمامهم أغنياء يركعون لهم ، ويخضعون لسلطان ثرواتهم ، وبذلك يدفعونهم إلى مزيد من الاستغلال والاستكبار ، والقرآن يرفض ذلك عبر هذه القصة وكأنَّه يقول : أيها الفقراء عليكم أن تعتزوا بإيمانكم بالله ، لأنه هو القادر على أن يغنيكم كما أغنى هؤلاء . وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ويبدو أن السياق هنا يسمي الخضوع للغني شركاً واتخاذاً لإله غير الله . [ 39 ] وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ في البداية اتخذ الفقير موقف الدفاع ، وحصَّن نفسه من الخضوع للغني ، ولكنه الآن أخذ زمام المبادرة محاولًا إصلاح الغني ، وهذا هو الدور المطلوب من الفقراء ، فقال له : لابد أن تدرك أن ما حدث إنما كان بمشيئة الله وإذنه ، وحسب قضائه وقدره ، لا حسب إرادتك وعلمك . فلماذا لا تقول : لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثم إنك الآن لا تستطيع أن تستفيد من هذه الثمار إلا بعون الله ، وهكذا فأن الخير الذي حصلت عليه سابقاً كان من الله ، والخير الذي تأمله في المستقبل هو أيضاً من الله ، وهذا هو الإطار الذي يجب أن نتعامل به مع الطبيعة والثروة والغنى . إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَداً إن غرورك واستعلاءك قد يدفعانك إلى خسارة كل شيء ، وآنذاك سأكون أنا الذي تنظر إلي باحتقار أفضل حالًا منك ، لأنَّ القناعة كنز لا يفنى .