السيد محمد تقي المدرسي
459
من هدى القرآن
أثر لهم في الحياة إلا ما تحمله ذاكرة التاريخ من عبرهم ، وأمثالهم ، ولعنات الله لهم ، فبعداً لهم لأنهم لم يؤمنوا . ويبدو أن حياة هؤلاء كانت متشابهة ، ولكنها تطورت عند فرعون وملئه ولذلك أفرد بالذكر ، فهذا موسى وأخوه هارون ، يرسلهما الرب إليهم ، فيستكبرون ويعلون في الأرض طغياناً ويقولون : عجباً ! كيف يأمراننا بالإيمان ، والطاعة لهما ، وقومهما يعبدوننا ؟ ! وهذا التكبر أرداهم ، حيث إنهم كذبوهما ، فجرت عليهم سنة الله في هلاك المكذبين . ولكن الله لم يرد هلاكهم إنما أراد هدايتهم . إذ بعث فيهم رسولًا ، وآتاه كتاباً . بينات من الآيات : [ 40 ] بعد أن دعا النبي عليه السلام ( ظاهراً هو صالح المبعوث لثمود ) قومه ، واستكبروا عليه ، سأل الله أن ينصره عليهم ، فجاء الخطاب الإلهي : قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فنهايتهم قريبة ، وسيعرفون أنها نتيجة لعملهم ، وسيندمون ، وقال الله عَمَّا قَلِيلٍ لأنهم استبعدوا الجزاء بقولهم [ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ] . [ 41 ] فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ كثيرا ما تتكرر كلمة بِالْحَقِّ في القرآن ، قال تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً [ البقرة : 119 ] ، قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [ الأعراف ] . وهكذا . . وتوحي كلمة بِالْحَقِّ بعدة أفكار : 1 - إن الحياة قائمة على أساس سنن ، وقوانين لا تحيد عنها ، وأن علينا أن نكيف أنفسنا معها ، وإلا فإن إرادة الله اقتضت أن نتكيف معها ، كالكافر الذي لا يسجد لله ، ولكن ظلاله رغماً عنه يسجد له . 2 - إن هذه القوانين والأنظمة ليست عبثاً ، وبلا حكمة ، وإنها لن تتساهل ، فإذا خالفها الإنسان هلك . 3 - إن قدرة الله وتدبيره غير محدودين ، ولكنه - تعالى - لا يعمل شيئاً دون تلك القوانين والسنن التي وضعها إلا في حالات خاصة لأنه فوق كل ذلك ، فمن الناحية النظرية قدرة الله فوق كل قدرة ، ولكنه عملياً أبى أن يجري العدالة في الكون إلا برحمته وحكمته ، فإذا أراد العذاب لإنسان ما أنزله بقدر ذنبه ، وبالطريقة المتناسبة معه .