السيد محمد تقي المدرسي
428
من هدى القرآن
الاجتباء وحق الجهاد [ 78 ] وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هنالك علاقة بين الأمر بالجهاد وقوله سبحانه : مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] ، وهذه العلاقة هي أنه بمقدار معرفتك بالله يكون جهادك في سبيله . هُوَ اجْتَبَاكُمْ أي اختاركم ، ويبدو هنا أن الاجتباء هو درجة أقل من الاصطفاء ، لأن الله قال عن الرسل بأنه يصطفيهم ، أما المؤمنين فيعمهم الاجتباء ، وربما السبب أن الله يصطفي رسله بالغيب أما المؤمنون فإنه يجتبيهم إذا ما توافرت فيهم الشروط المطلوبة وحسب السنن الجارية . إن الاجتباء مستوى رفيع لا يصل إليه كل إنسان ، بل الصفوة ، فإذا ما وصل إليه فلابد أن يعرف أن الله قد وضع على عاتقه المسؤولية بعد أن اجتباه ، والاجتباء لا يكون بالإخبار المباشر ولكن بالقذف في القلوب والإلهام . من هنا جاء الحديث المأثور عن الإمام الرضا عليه السلام حين سأله المأمون العباسي عن زيد بن علي ، فقال عليه السلام : [ كَانَ زَيْدٌ وَالله مِمَّنْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ : وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ] « 1 » . وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أحكام الإسلام أحكام سهلة ، فالذين لا يصلون يتصورون أن الصلاة صعبة ، ولكن الذين يؤدون الصلاة بخشوع لله فإنهم ليس فقط يرونها سهلة ، بل يجدون فيها اللذة أيضاً ، وقد يسَّر الإسلام كل العبادات فلم يجعل من الصلاة حركات رياضية صعبة مرهقة كتسلق الجبال إنما جعلها خفيفة ، وكذلك فإنه لم يجعل الصيام عملية تجويع متعبة ، وإنما هي سويعات صبر وبعدها نعود إلى مآكلنا ومشاربنا ، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإنَّ الإسلام يخفف بعض الأحكام في الحرج ، حيث لا يستطيع الإنسان أن يؤدي الفرض كاملًا . جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام وقال : [ عَثَرْتُ فَانْقَطَعَ ظُفُرِي فَجَعَلْتُ عَلَى إِصْبَعِي مَرَارَةً فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِالْوُضُوءِ ؟ . قَالَ عليه السلام : يُعْرَفُ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِنْ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ امْسَحْ عَلَيْهِ ] « 2 » . لذا الجهاد : هو بذل الجهد كل الجهد ، قبل الوصول إلى سقف الحرج ، قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [ الفتح : 17 ] .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 46 ص 174 . ( 2 ) الكافي : ج 3 ص 33 .