السيد محمد تقي المدرسي

419

من هدى القرآن

وفي هذا الدرس ما قبل الأخير من سورة الحج التي تركز حول موضوع التقوى نجد - في هذه الآيات - إيحاءات تدل على علم الله بالكون ، وأن المسؤولية ليست أمام الرسول ولا أمام المؤمنين بقدر ما هي أمام الله رب العالمين ، فالله هو الذي يشرع لكل أمة مناسكها ، وهو الذي يطالبها بأدائها ، ويحاسب على تركها ، فلماذا إذن يجادل هؤلاء الكفار الرسول ؟ . إن مسؤولية الرسول هي الدعوة إلى الله عبر الصراط المستقيم ومسؤولية الرسول لا تتجاوز هذا الحد ، أما حساب الناس فهو على ربه وربهم . إن الله محيط علماً بما في السماوات والأرض ، وإن كل شيء عنده مكتوب في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ، وذلك على الله يسير . لأن تسجيل حوادث الدنيا ومتغيراتها وإدراجها في كتاب أمر بسيط ، فإذا حانت ساعة الحساب فإنَّ يدك كتاب ، وجلدك كتاب ، وعينك كتاب ، وكل ما فيك كتاب شاهد عليك ، فما تفعله لا يذهب هباءً ، ومع كل ذلك ، فإنك تجد أناساً يعبدون من دون الله أناساً عاجزين مثلهم ويخضعون لأصنام بشرية أو حجرية . إن الإنسان ينبغي له أن يتبع أحد أمرين : إما أن يتبع شريعة الله ويخضع لأوامره ، ونواهيه ، وإما أن يتبع العلم ، فمن لم يتبع أحد هذين الأمرين فهو ظالم لنفسه ، ومن يظلم نفسه ، أيحسب آنئذ أن الأصنام الحجرية أو البشرية ستشفع له ؟ ! إنها ستكون عليه ضداً ، وسيحشر معها في جهنم كما قال تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [ الأنبياء : 98 ] . وإنك لترى مدى التعصب للباطل عند عبدة الطاغوت ، حيث تتبين في وجوههم المنكر . . فإذا بها تظلم وتعبس ، كلما تليت عليهم آيات الله ، البالغة الوضوح ، حتى إن أعصابهم تتحفز وكأنهم يستعدون لمعركة ، ويكادون يرفعون أيديهم للسطو على من يتلو عليهم الآيات ، ودون النظر إلى محتوى الآيات ، وإن التالين لها ليسوا سوى مبلغين وإن قول الحق إذا كان مراً لأن فيه تهديداً وإنذاراً بالعقاب الواقعي ، فإن ذات العقاب وهو النار التي وعدها الله الذين كفروا أنه أشد حرارة وأسوأ مصيراً . وبمناسبة الحديث عن الأصنام التي تعبد من دون الله ، يتحدى الله الأصنام البشرية موجهاً إليها المقال بأن ليس في إمكانها خلق ذبابة واحدة حتى لو احتشدت كل القوى العظمى ما استطاعت إليه سبيلًا . إنهم يعجزون عن صنع حشرة صغيرة كالذبابة ، وإن تسلبهم الذبابة شيئاً ، فإنهم أعجز من أن يستنقذوه منها ، بالرغم من ضعف قوتها : ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ إذن فلماذا الطغيان ، ولماذا عبادة هؤلاء الضعفاء ؟ ! .