السيد محمد تقي المدرسي
400
من هدى القرآن
إنه سبحانه ليس كما نحن ، إننا محددون بالزمان والمكان ، وعلومنا وقدراتنا محدودة ، بينما الله على كل شيء قدير ، وهو مهيمن على خلقه ، قادر على أن يقبض المكذبين متى شاء كيف شاء ، فلماذا العجلة ، وإنما يعجل من يخاف الفوت ، سبحانه ؟ . [ 48 ] إن تأخير العذاب ، وتلاشي قانون الزمن عند الله ، لا يعني أن العذاب لن يأتي ، فكم من أمة أعطاها الله مهلة بالرغم من أنها ظالمة ، ثم أخذها بالعذاب حين حقت عليها كلمته وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ أين يذهب هؤلاء أوليس إلى الله ؟ بلى إنه سبحانه لا يخشى الفوت ، ومن لا يخشى الفوت لا يبادر بالانتقام . [ 49 ] إن وظيفة الرسول هي تبليغ الرسالة للناس ، لتكون لهم نذيراً بين يدي عذاب شديد . إن هم أصروا على المعصية . وبالرغم من أن الرسول بشير أيضاً إلا أن السياق أكَّد جانب الإنذار لأن الإطار العام للحديث هنا التكذيب والعذاب قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [ 50 ] فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ من يقف بجانب الرسالة ويؤمن بها وبالرسول ويعمل الصالح بموجبها ، فإنه يفوز بجائزتين : أولهما المغفرة وحط الذنوب ، وثانيهما الرزق الكريم ، إنها جائزة معنوية تتمثل في التطهير من الذنوب وأخرى مادية وهي الرزق الكريم ، أي يوفر كرامة الإنسان ذلك لأن من الرزق ما يذهب بها ، ويسبب له الهوان . وليس في الآية ما يدل على الآخرة فقط بل يشمل الدنيا أيضاً . ذلك أن المغفرة وكفران الذنوب وتطهير الواقع الفردي والاجتماعي من آثار الانحراف والفساد ، وتزكية النفس من قذر العقد والأحقاد ، إن كل ذلك نعمة عظيمة يسبغها الله على المؤمنين في الدنيا أيضاً . كذلك الرزق الكريم يوفره الله لعباده المؤمنين ، الذين يرفضون الخضوع لأصحاب السلطة والثروة ، ويتعالون على الذلة والهوان ، أو لم يقل ربنا سبحانه : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 - 3 ] ؟ . [ 51 ] وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أولئك الذين يبذلون قصارى جهدهم في سبيل تعجيز آيات الله ، حسب ظنهم ، أي عرقلة مسيرتها ، وتعويق تطبيقها ، وتحديها والتكذيب بها أو تأويلها ، إنهم أصحاب الجحيم . ويسعى هؤلاء نحو إلحاق العجز بالآيات ، بتحديها ومواجهتها ، فهم بعكس المؤمنين الذين يسلمون بالآيات ، ويقولون : كل من عند ربنا بلا مكابرة ولا جدال .