السيد محمد تقي المدرسي
40
من هدى القرآن
لقد جاءت الآية بكلمة رجماً بالغيب قبل أن تقول سبعة وثامنهم كلبهم ، مما يوحي بأن هذه الفكرة ليست رجماً بالغيب . قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً هنا تنتقل الآيات من الحديث عن البعث وعن وعد الله سبحانه ، إلى الحديث عن قضية أخرى وتلك هي قضية العلم ، وماذا يجب على الإنسان أن يقول ويعتقد ؟ . إن عليه ألا يرجم بالغيب وإلا يغتر بمعلوماته لأنَّ علمه مهما بلغ فهو قليل ، والذي عنده علم ، عليه ألا يضع علمه للمراء والجدال ، بل يمر على المسائل الجدلية العقيمة مسرعاً ما أمكن ، أي يؤمن بالحقيقة ويبين حجتها ثم يذهب ، لأنَّ المراء يفسد العلم ، ويجعل فكر الإنسان متجهاً إلى وسائل الإستعلاء على الآخرين ، وليس إلى الحقيقة ، وبالتالي يصبح فكراً مستعلياً مستكبراً لا يستوعب الحقائق ، والعلم هو ابن التواضع ، والمعرفة بنت الخلق السمح ، كما أن الاستكبار حجاب العلم ، والاستعلاء يهدم المعرفة . وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً لو فرضنا أن جاهلًا يريد أن يستفتي ، فهل يبحث عن كل جاهل مغرور يجمع ركام الخرافات على ظهره ويستفتيه في أمور دينه ودنياه ؟ كلا . . أوليس إنما يُرجَع للعالم ، وليس ثمَّة علم في الرجم مع افتقاد السبب الذي يتيح المعرفة الصحيحة . وربما تدل هذه الآية على ما قلناه آنفاً ، وهو أن القرآن لا ينسخ بالحديث ، فينبغي ألا نحجب أنظارنا عن القرآن بحجب التاريخ ، حيث نجعله منظاراً ننظر من خلاله إلى القرآن . إن المنهج السليم أن نعتبر القرآن الكريم وكأنَّه أنزل علينا الآن . فنحذف وسائط التاريخ وحجب التراث . إن السنة الصحيحة لا تعارض القرآن ، إذ هو المهيمن ، وما عارضه زخرف . هذا أولًا ، وثانياً : أن القرآن لا يُقصر على من نزل فيهم ، وإلا لو كان كذلك لأصبحت معظم آياته لا تعنينا من قريب أو بعيد . فهو كتاب ربنا للناس كافة على امتداد الزمان ، فإذن آياته تخاطبنا وترشدنا وهي حجة علينا ، وليس مجرد حكايات تروى ولعلَّ هذه الآية تشير إلى هذه الحقيقة ، وإنه ما دام القرآن قائم بيننا ، فلم نذهب إلى التوراة والإنجيل ، والأفكار الموجودة في الكتب المنحرفة والأساطير المبثوثة عند الناس ، ونستفتي من يعرفها ويحملها ؟ . الحياة بين تدبير الرب وتقدير العبد [ 23 - 24 ] وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ