السيد محمد تقي المدرسي

386

من هدى القرآن

هما الفقير والمسكين . والفقير هو الذي لا يملك قوت سنته ، أما المسكين فهو الذي أسكنه الفقر بيته ، وهو أشد فقراً منه . وأصل كلمة القانع هو الفقير الذي يقتنع بما تعطيه ، فهو كما قال الرب سبحانه في آية أخرى : تحسبهم أغنياء من التعفف . . بينما كلمة المعتر : الذي وقع في شدة البلاء والفقر ويظهر على سيماه ذلك دون أن يظهره بلسانه . والكلمة مشتقة من ( العر ) وهو مرض الجرب يصيب جلد البعير ، وكان المعتر قد أصاب وجهه مرض فسقط جلده كناية عن ذهاب ماء وجهه بسبب ما يظهر عليه من ضعف الحال . وجاء في رواية أن المعتر هو الذي يعتريك . . ولا يسأل . وفي حديث آخر عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : [ الْقَانِعُ الَّذِي يَرْضَى بِمَا أَعْطَيْتَهُ وَلَا يَسْخَطُ وَلَا يَكْلَحُ وَلَا يَلْوِي شِدْقَهُ غَضَباً وَالمُعْتَرُّ الْمَارُّ بِكَ لِتُطْعِمَهُ ] « 1 » ، أي أن المُعتر هنا من الاعتراء وهو : الضعيف الزائد ، أي المتعرض للسؤال من غير طلب . كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الهدف من تسخير الله الأنعام للإنسان هو الشكر له سبحانه ، وعموماً فإنَّ الهدف من النعم المادية هو التكامل المعنوي . ونستوحي من هذه الآية : أن النعم المادية في الحياة الدنيا وسيلة للتكامل المعنوي ، فالإنسان الجائع الذي لا يمتلك مأوى يأوي إليه ليحميه من قيظ الصيف وبرد الشتاء ، من الصعب عليه أن يسعى من أجل بناء كيانه المعنوي ، أن ينمي علمه وإيمانه وتقواه ، أما الذي استطاع أن يتجاوز ضرورات حياته ، فإنَّ باستطاعته أن يتفرغ لما هيأ له . وضرورات الحياة تشبه وقود السيارة ، فحينما تمتلئ الوقود للسيارة تصبح مهيأة للسير ، فالسير هو الهدف بينما الوقود ضرورة الهدف ، فالسيارة لم تصنع لكي تبتلع الوقود ، إنما صنعت لكي تنطلق ، وكذلك الإنسان لم يأت إلى الحياة لكي يأكل ويشرب وينام ، و . . و . . إنما أتى إلى الحياة وفرضت عليه تلك السنن ، لكي يسمو بروحه ويعرج في مدارج الكمال . . وهذه الفكرة نستوحيها من الآيتين الأوليين من هذا الدرس . [ 37 ] ثم إن التقوى كالشجرة التي تنبت في القلب بحاجة إلى تنمية ، والأضحية تنمي شجرة التقوى في القلب . لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا ثم يبيِّن الله سبحانه بأنه ليس لربّها نصيب في لحومها أو دمائها ، إنما النصيب راجع إلى الناحر الذي يزداد بذلك تقوى وإيماناً وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ .

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 14 ص 163 .