السيد محمد تقي المدرسي
376
من هدى القرآن
يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ رجالًا : أي مترجلين على أقدامهم ، وضامر : الدواب المضمرة التي أضمرت بكثرة التدريب أو لطول المسافة ، وهذه الآية ترمز إلى أن الحجاج يأتون إلى الحج متلهفين إما راجلين أو ممتطين دوابهم الضامرة . [ 28 ] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ المنافع المادية والمعنوية المختلفة التي فيها صلاح معاشهم واستقامة حياتهم . وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أي في أيام الحج من شهر ذي الحجة . عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ الأضحيات التي تنحر في منى يوم العاشر . فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ أي كلوا منها أنتم وقراباتكم ، وأطعموا الفقير الذي قد بؤس وجاع . وهذه دعوة صريحة للموسرين ، من أجل أن يخرجوا من حدود أنانيتهم وشحهم ، كي يقضوا حاجات المعسرين المحتاجين . [ 29 ] ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ حيث تصبح شعورهم شعثاء غبراء من كثرة الترحال والمسير ، كما تطول أظفارهم ، وفي نهاية موسم الحج يقصّون شعورهم ويقلمون أظفارهم . ويطهرون أبدانهم من الأدران ، والتفث في اللغة الدرن . وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وتلمح هذه الآية إلى أن ضرورة قضاء النذور وهي - عادة - تلك التي يلزمها الفرد على نفسه إن بلغ مكة سالماً ، أو إن قضيت حاجاته . ولعلَّنا نستفيد من هذه الآية التأكيد بتطهير القلب والتخفيف عنه بالوفاء بالنذور ، حتى يعود الحاج إلى بيته بصفحة جديدة . أما الطواف بالبيت العتيق ، فقد جاء في الأحاديث أنه الطواف الأخير الذي يسمى بطواف النساء لأن النساء لا يحللن إلا بعده ، ويسميه البعض بطواف الوداع ، لأنه آخر طواف حول البيت ، الذي سماه الرب هنا بالبيت العتيق ، لأنه ( حرٌّ ) عن ملكية الأفراد وعن سلطة الجبابرة ، ومركز لحرية الناس . وهو أول بيت وضع للناس ( جميع الناس ) وقد أعتقه الله من الغرق عند الطوفان الأعظم على عهد النبي نوح عليه السلام . وكلمة أخيرة : لقد فسرت في أحاديث أهل البيت عليهم السلام كلمة لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ باللقاء مع ( الإمام ) أوليس الحضور عند الإمام والالتقاء به في أجواء الحرية عند البيت الحرام يقضي على الأدران المعنوية لقلب الحجاج ، ويؤهلهم لبدء رحلة جهادية جديدة ، وهذا التفسير يؤكد الجانب الحضاري للحج ، المتمثل في تطوير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأمة عبر الحج وذلك باللقاء مع إمام الأمة ، وقائد مسيرتها ، ورائد حركتها المباركة .