السيد محمد تقي المدرسي
374
من هدى القرآن
ضمان حرية الإنسان في الحرم وقبل أن يسوق القرآن الحديث حول بيت الله ومناهج الحج إليه ، يفرض احترام المسجد الحرام ، ويتوعد الذين يظلمون فيه ، ويعتدون على حرمات الناس ، ويصادرون حرياتهم ، بالعذاب الأليم . والحرية هنالك تعني كل شيء ، إذ من دونها تكاد تتفرغ مناهج الحج من محتوياتها ، فكيف يشهد الحجاج منافع لهم وسيف الظلم مسلط عليهم . وكيف يتفكرون في شؤون الأمة ، وأجهزة القمع المتسلطة تلاحقهم ، وكيف يخلعون ثياب الشرك ، ويتحررون من خوف الجبابرة ليعبدوا الله وحده ، وشياطين السلطة يحيطون بهم . وهكذا نفهم أن أي انحراف يتم بالظلم تشمله الآية ، حتى ولو لم يكن من قبل الدولة ، بل من أصحاب السلطة الصغار كالزوج والمالك والمدير ، و . . ، جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : [ كُلُّ ظُلْمٍ يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ نَفْسُهُ بِمَكَّةَ مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ ظُلْمِ أَحَدٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنِّي أَرَاهُ إِلْحَاداً وَلِذَلِكَ كَانَ يُتَّقَى أَنْ يُسْكَنَ الْحَرَمُ ] « 1 » . أي كانت الإقامة الدائمة بمكة مكروهة شرعاً ، لأنَّ الإنسان لا يخلو من ظلم نفسه بواحدة من هذه المحرمات فإذا سكن البيت اعتبرت معاصيه هذه إلحاداً ، وضاعف الله عليها العقاب . الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ فالمسجد الحرام ليس ملكاً لأحد ، لا لعائلة معينة ولا لدولة خاصة إنما هو للناس جميعاً ، وقد جعله الله كذلك . سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي أي يتساوى في - ه المقيم المعتكف بمكة ، مع ذلك الذي يأتيه من البدو أي الصحراء ، ثم يؤكد الله هذه الحقيقة ، مرة أخرى ، قائلًا : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ إن من يتخذ المسجد الحرام وحاجة الناس إليه سبباً لتحريف الناس وتضليلهم ، أو من يفرض على الآخرين منهجاً معيناً في التفكير . . هؤلاء سوف يذوقون عذاباً أليماً . ومعنى بِإِلْحَادٍ بانحراف . ولكي يمرر الجاهليون ظلمهم وتسلطهم وإفسادهم في الحرم تراهم يحرِّفون الكلم عن
--> ( 1 ) الكافي : ج 4 ص 227 .