السيد محمد تقي المدرسي

372

من هدى القرآن

مشاهد العذاب في يوم القيامة ، ولأنه كلما ورد إنذار في القرآن الحكيم شفع بترغيب وبشارة فقد جاءت هذه الآيات تبشِّر المؤمنين بأن لهم عند ربهم ثواباً يتجلَّى في جنة تجري من تحتها الأنهار ، وفي زينة يتزين بها هؤلاء في تلك الجنة ، ومن قبل هداهم الله إلى القول الطيب والصراط الحميد . ثم يتناول موضوع الحج باعتباره منسكاً من مناسك الأمة الإسلامية الواحدة ، ويهدف تكريس التقوى في نفوس أبنائها ، أما الكفار الذين يصدون عن سبيل الله ، ومن أبرز مصاديقه المسجد الحرام ، فلهم عذاب أليم ، بل كل من ينحرف فيه بظلم الناس ، فله عذاب أليم . ويعيدنا القرآن إلى اليوم الأول الذي بني فيه المسجد الحرام ، وكيف أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام ببناء البيت للناس جميعاً ، لا من أجل طائفة أو قوم . إنما البيت للقريب والبعيد ، للقاصي والداني . ولم يوضع الحرم لكي يشرك بالله عبره ، إنما وضع لكي يعبد الله وحده هناك . ( بإقامة الصلاة وبالركوع والسجود ) فقد أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يطهِّر بيته من الأصنام التي كانت تعبد من دون الله ، في أيام الجاهلية ، والأصنام البشرية التي تعبد اليوم هناك وباسمه . وآيات هذا الدرس هي سنام هذه السورة - في ما يبدو لي - لأنها تتحدَّث عن وسيلة تكريس التقوى ، والحج هو أفضل وسيلة لذلك ، وقد عرفنا مسبقاً أن التقوى هي أعلى درجات الإحساس بالمسؤولية . بينات من الآيات : الجنة نعيم شامل [ 23 ] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ الذين آمنوا إيماناً صادقاً بالله ، هم المؤمنون حقاً ، وهم الذين ينعكس إيمانهم في واقع حياتهم ، بالقيام بالأعمال الصالحة . والجنات التي يدخلها هؤلاء هي ترجمة لعملهم الصالح ، ولهذا جاءت كلمة جَنَّاتٍ بلفظ الجمع باعتبار أن عملهم الصالح على درجات وأن لكل عمل جنة . يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ أي يزينون بأساور من الذهب ، كما يتوجون أو يقلدون باللؤلؤ النفيس ، ويلبسون ملابس خضراء من حرير فاخرة وتصور هذا المنظر يشوق الإنسان إلى الجنة . [ 24 ] ثم لا يكتفي السياق ببيان النعم المادية ، بل يضيف إليها النعم المعنوية أيضاً حيث يقول : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الطيب