السيد محمد تقي المدرسي

356

من هدى القرآن

ذلك الأمر ، فإذا قلت بسم الله أقوم يعني أن قيامك بالله ، وإذا قلت : بسم الله أنام ، يعني أن نومك بالله ، وهكذا . وتختلف سور القرآن الحكيم في معانيها العامة ، لذلك فإنَّ كل ( بسملة ) في بداية كل سورة تشير إلى أن كل شيء هو قائم بالله ، فعندما نحج فإنه باسم الله ، وهدف الحج هو تقوى الله ، والتقوى بدورها من الله وبالله ، وعندما نصوم فإنَّ صيامنا باسم الله ، وهدف الصيام هو تقوى الله ، والتقوى بدورها من الله وبالله . . وهكذا عندما نصلي ونقوم بأي واجب آخر . [ 1 ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الهدف من سورة الحج هو تكريس التقوى التي هي أعلى درجات الإيمان بالمسؤولية . ففي سورة الأنبياء - التي سبقت سورة الحج - كان الحديث عن المسؤولية ، أما هذه السورة ، فالحديث فيها عن التقوى باعتبارها مرحلة متقدمة من الإيمان . من الصعب على الإنسان أن يؤمن بمسلمات ، ويظن أنها قواعد راسخة يستطيع أن يقيم عليها بناء أفكاره ، من الصعب عليه أن يؤمن بغيرها ، حتى ولو كانت أقوى ، وهنا - بالضبط - يكمن خطأ الإنسان إذا تأسره مسلمات فكرية توجه كل حياته ويزعم أنه ضعيف أمامها ، كلا إن الإنسان أقوى من مسلماته ، وعلم الإنسان أنفذ من سابقياته الذهنية ، ومما يعتقد به مجتمعه وآباؤه ، وإن الإيمان بالساعة وزلزالها وأهوالها يحطِّم المسلمات ، والسابقيات الذهنية ، ويعطي البشر قدرة هائلة للتفكير من جديد . عبر جسر الشك المنهجي فيما يزعم أنه من الحقائق المسلمة . [ 2 ] يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ فلا تستطيع المرضعة أن تفكر آنئذ - لهول الساعة - برضيعها . وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ إن الحامل تجهض ويسقط جنينها ، والمرأة لا تجهض إلا إذا كانت تمر بهول عظيم ، وترى كل إنسان كالسكران ، لا يستطيع أن يستوعب ما يجري حوله ، قد شغلته نفسه عن الآخرين ، وأسكره العذاب حتى صار فاقداً لقدراته الفكرية . إن تصور هذه الأهوال المروعة كفيل بإيقاظ القلب الغافل . وهكذا كان السلف الصالح فقد جاء في قصة نزول هاتين الآيتين من سورة الحج ما يلي : نزلت الآيات من أول السورة ليلًا في غزاة بني المصطلق وهم حي من خزاعة ، والناس يسيرون ، فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله فحثوا الخطى حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم