السيد محمد تقي المدرسي

35

من هدى القرآن

ما يفيدنا ونفكر في ما ينفعنا . بورقكم : هو السكة الفضية . فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ إن الإنسان المؤمن يبحث عن أزكى الطعام ، زكاة مادية ومعنوية ، فلا يبحث عن طعام يضره ، كما لا يبحث عن طعام حرام ، بل يراعي النواحي الصحية والشرعية . ثم يشير القرآن إلى مسألة عدم الإسراف في الأكل ، فلا ينبغي أن يأكل الإنسان بقدر ميزانيته بل بقدر حاجته فقط ، لذلك قالوا : فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أي بمقدار ما تأكلونه وليس أكثر من ذلك وَلْيَتَلَطَّفْ أي ليكن تصرف الذي يذهب ليبحث عن الطعام ويشتريه مهذباً ، ويتصرف بروية وحكمة بحيث لا يلتفت أحد إلى شخصياتهم . وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً وذلك حتى لا يحس الأعداء بهم ، وهذا يفيد بأن الذي يعمل عملًا سرياً عليه أن يتكتم على عمله ، وأن يعمل بطريقة ذكية بحيث لا يشعر أحداً بأن لديه ما يخفيه ، ولا يكفي أن يكتم عنهم نوع عمله فحسب ، بل حتى يكتم شخصه ، وذلك حتى لا يدفعه فضوله إلى البحث واكتشاف أسرار ذلك العمل ، وهذا منتهى السرية والكتمان المطلوب في العمل الناجح . [ 20 ] إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً إما يقتلونكم رجماً وهو من أشد أنواع القتل وإما يضغطون عليكم فيسببون ارتدادكم عن إيمانكم وفي ذلك ابتعادكم النهائي عن الفلاح والسعادة ، وهذا يعني أن على الإنسان ألا يعرِّض نفسه وبمحض إرادته لتلك الضغوط التي يخشى على نفسه منها ، ولا يقول أحد أنا لا يهمني السجن أو التعذيب لأني رجل صامد ، فربما تكون الآن صامداً ، ولكن غداً إذا صُبَّ عليك العذاب صباً في سجون الطواغيت فقد تفقد ذلك الصمود وتنهار ، وبانهيارك ينهار دينك ، لذلك فإنَّ أصحاب الكهف اتبعوا شروط التقية والسرية من أجل ألا تتسبب ضغوط الأعداء عليهم في عودتهم عن دينهم إلى دين الملك آنذاك ، وبالتالي يحرمون من الفلاح والسعادة . والواقع أنهم كانوا - لفترة طويلة - يعبدون الله في السر . وإعطائهم الله أفضل الجزاء على ذلك جاء في الحديث الشريف المأثور عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : [ إِنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ أَسَرُّوا الْإِيمَانَ وَأَظْهَرُوا الْكُفْرَ وَكَانُوا عَلَى إِجْهَارِ الْكُفْرِ أَعْظَمَ أَجْراً مِنْهُمْ عَلَى إِسْرَارِ الْإِيمَانِ ] « 1 » .

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 231 .