السيد محمد تقي المدرسي

326

من هدى القرآن

خَرَجَتْ مِنْهُ مِدَّةٌ مِنْ دَمٍ وَلَا قَيْحٌ وَلَا اسْتَقْذَرَهُ أَحَدٌ رَآهُ وَلَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ أَحَدٌ شَاهَدَهُ وَلَا تَدَوَّدَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجَمِيعِ مَنْ يَبْتَلِيهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُكَرَّمِينَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اجْتَنَبَهُ النَّاسُ لِفَقْرِهِ وَضَعْفِهِ فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِ لِجَهْلِهِمْ بِمَا لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالْفَرَجِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : أَعْظَمُ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، وَإِنَّمَا ابْتَلَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْبَلَاءِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَهُونُ مَعَهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِئَلَّا يَدَّعُوا لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ « 1 » إِذَا شَاهَدُوا مَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَيْهِ مِنْ عَظَائِمِ نِعَمِهِ تَعَالَى مَتَى شَاهَدُوهُ وَلِيَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ مِنَ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ اسْتِحْقَاقٍ وَاخْتِصَاصٍ وَلِئَلَّا يَحْتَقِرُوا ضَعِيفاً لِضَعْفِهِ وَلَا فَقِيراً لِفَقْرِهِ وَلَا مَرِيضاً لِمَرَضِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّهُ يُسْقِمُ مَنْ يَشَاءُ وَيَشْفِي مَنْ يَشَاءُ مَتَى شَاءَ كَيْفَ شَاءَ بِأَيِّ سَبَبٍ شَاءَ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَنْ شَاءَ وَشَقَاوَةً لِمَنْ شَاءَ وَسَعَادَةً لِمَنْ شَاءَ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عَدْلٌ فِي قَضَائِهِ وَحَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا يَفْعَلُ بِعِبَادِهِ إِلَّا الْأَصْلَحَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ لَهُمْ إِلَّا بِهِ ] « 2 » . هكذا يؤكد هذا الحديث : إن حكمة ابتلاء أيوب ( أولا أقل العبرة التي نستوحيها منه ) عدم جعل البلاء في الدنيا دليلًا على غضب الله ، بل قد يكون دليلًا على قرب صاحبه من الله . 2 - أما الحديث الثاني المروي عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام فإنه يفصل القول في بلاء أيوب كيف كان ، ومتى طفح كيل الصبر عنده : [ إِنَّمَا كَانَتْ بَلِيَّةُ أَيُّوبَ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا فِي الدُّنْيَا لِنِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْهِ فَأَدَّى شُكْرَهَا وَكَانَ إِبْلِيسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُحْجَبُ دُونَ الْعَرْشِ فَلَمَّا صَعِدَ عَمَلُ أَيُّوبَ بِأَدَاءِ شُكْرِ النِّعْمَةِ حَسَدَهُ إِبْلِيسُ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنَّ أَيُّوبَ لَمْ يُؤَدِّ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إِلَّا بِمَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الدُّنْيَا فَلَوْ حُلْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُنْيَاهُ مَا أَدَّى إِلَيْكَ شُكْرَ نِعْمَةٍ فَسَلِّطْنِي عَلَى دُنْيَاهُ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي شُكْرَ نِعْمَةٍ ، فَقَالَ : قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى دُنْيَاهُ فَلَمْ يَدَعْ لَهُ دُنْيَا وَلَا وَلَداً إِلَّا أَهْلَكَ كُلَّ ذَلِكَ وَهُوَ يَحْمَدُ الله عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَبِّ إِنَّ أَيُّوبَ يَعْلَمُ أَنَّكَ سَتَرُدُّ إِلَيْهِ دُنْيَاهُ الَّتِي أَخَذْتَهَا مِنْهُ فَسَلِّطْنِي عَلَى بَدَنِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي شُكْرَ نِعْمَةٍ ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى بَدَنِهِ مَا عَدَا عَيْنَيْهِ وَقَلْبَهُ وَلِسَانَهُ وَسَمْعَهُ . فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ قَالَ أَبُو عَبْدِالله عليه السلام : فَانْقَضَّ مُبَادِراً خَشْيَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ الله عَزَّ وَجَلَّ فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَنَفَخَ فِي مَنْخِرَيْهِ مِنْ نَارِ السَّمُومِ فَصَارَ جَسَدُهُ نُقَطاً نُقَطاً « 3 » . فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ وَكَانَ فِي آخِرِ بَلِيَّتِهِ جَاءَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا لَهُ يَا أَيُّوبُ مَا نَعْلَمُ أَحَداً

--> ( 1 ) وقد وردت هذه الفكرة في نصوص أخرى أيضاً . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 12 ص 348 باب قصص أيوب عليه السلام . ( 3 ) إلى هنا ينقطع الحديث المأثور عن كتاب علل الشرائع عن أبي بصير ، ويستمر بعدئذ حديث آخر مشابه له مأثور في الإمام موسى بن جعفر عليه السلام . أنظر المصدر .