السيد محمد تقي المدرسي

32

من هدى القرآن

بينات من الآيات : [ 17 ] * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ربما يريد السياق ربط ثلاث حقائق ببعضها في هذه الآية ، وليكون في أذهاننا صورة ذات ثلاثة أبعاد : البعد الأول : يرينا آية الشمس ، وكيف أن الله سبحانه أجراها في مسيرها دون أن تتخطى المدار المرسوم لها ، والتزامها بنظام معين ، وهذه لفتة نظر إلى السنن الكونية التي يجريها الله بقدرته وحكمته . البعد الثاني : إذا كيَّف الإنسان نفسه مع هذه السنن يستفيد منها ، فالشمس التي تطلع وتغرب في مسيرة محددة إذا تعرَّض الإنسان إلى وهجها بصورة مباشرة فسوف يتأثر ، وإذا ابتعد عنها فسوف يتأذى ، وإذا كان في موضع معين فإنَّه يستفيد منها ، وهكذا فإن تكيف الإنسان مع الشمس بصورة معتدلة ينفعه . البعد الثالث : إن تكيف الإنسان مع سنن الكون لا يمكن إلا بهداية الله سبحانه ، لأنَّه هو الذي يحيط علماً بهذه السنن ، ويعرف الإنسان بها . ومن خلال التدبر في الآية يظهر لنا مدى لطف العلاقة بين كلماتها ، يقول القرآن وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ أي أن الشمس حينما تطلع فإنها تبتعد عنهم . تزاور : تبتعد وتنحرف . وقال البعض إن مادة الحكمة نابعة من الزيارة وتتناسب مع شروق الشمس كأنَّ الشمس عاقلة ومريدة وهي ليست كذلك ، ولكن الذي قدَّر للشمس حركتها حكيم وقادر وهو الله سبحانه وتعالى . وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ أي تعبر عنهم وتتركهم ، وكلمة تقرضهم تتناسب ومغيب الشمس وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي كان مكانهم متسعاً ويعيشون فيه براحة تامة ، ويقال أن باب الكهف كان على الشمال ، فكانت الشمس تطلع عن يمينه وتغرب عن شماله ، وهذه هي مواصفات غرفة النوم الصحية ، أن تكون واسعة ، ولا تشرق عليها الشمس مباشرة ، ولكن قريبا منها ، ذات اليمين وذات الشمال . ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وهنا ترتبط قصة الهداية بقصة الشمس ، وحركتها حيث أنها من آيات الله التي تشير إلى حكمته وقدرته الواسعة . كما أن بقاء هذه الفئة في الكهف هذه السنين من آيات الله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ما دامت هذه من آيات الله وحكمته ، وتدل على أن الله هو الذي جعل الأمور بسنن ثابتة دقيقة ، فعلينا أن نهتدي بهدى الله ، ونلتمس المعرفة