السيد محمد تقي المدرسي

311

من هدى القرآن

( إبراهيم ) يذكر الأصنام بالسوء ، ويرفض أن يعبدها ويخضع لها ، فمن المؤكد أنه هو الذي حطمها . [ 61 ] وتحطيم الأصنام لم يكن يدل فقط على تحطيم الأحجار ، وإنما كان يدل أيضاً على تحطيم الأنظمة الاجتماعية والتقاليد الفاسدة ، وتحطيمها يعني التحرر منها ، لذلك تجد إن مجتمع الطاغوت ( نمرود ) لم يكتف بمحاولة تعذيب إبراهيم ، وبإعدامه ، إنما أراد أن يكرس تلك التقاليد والقيم الفاسدة عن طريق فعل كل ذلك عبر تظاهرة اجتماعية صاخبة ، ليكون عبرة للآخرين الذين قد تحدثهم أنفسهم باتباع منهجه التوحيدي . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ يمكننا أن نفهم من هذه الآية : بأن ذلك المجتمع قد دبَّتْ إليه أفكار الرفض ، حيث كان هناك آخرون غير إبراهيم يدعون الناس إلى التحرر من عبادة تلك الأصنام ، وقد سبق أن استوحينا من آية أخرى مثل ذلك تلك الآية هي : قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعِبِينَ [ الأنبياء : 55 ] . [ 62 ] قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ إبراهيم لم ينكر انه فعله أو لم يفعله وإنما : [ 63 ] قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ لا شك إن هذا أسلوب ساخر أراد به إبراهيم عليه السلام أن يلفت به أنظارهم إلى حقيقة معتقداتهم الفاسدة ، وإلا فهم يعلمون مسبقاً إن هذه أحجار لا تنطق لأنهم هم الذين صنعوها بأيديهم . [ 64 ] فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ أول صدمة نفسية أصيب بها هؤلاء هي انهيار مكانة الأصنام في أنفسهم والتي كانت رمزاً لإيمانهم بالتأريخ الفاسد ، وبالخضوع للحاكم الظالم المتجبر ، واعتقادهم بالأساطير . . . إلخ . فرجعوا إلى أنفسهم وقال كل منهم لنفسه : أنا الظالم ، أنا المخطىء الذي رضيت أن أعبد هذا الصنم ، الذي لا ينطق ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه . [ 65 ] ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ ولكنهم باعتبارهم بشر ، وباعتبار إن البشر لا يستطيع تحدي واقعه الفاسد بسهولة ، أخذتهم العزة بالإثم ، وركبوا مطية الغرور برغم أنهم عرفوا الحقيقة وأدركوا بطلان أفكارهم وزيف معتقداتهم فقالوا مكابرين : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ أي كيف تطلب منا أن نسألهم ، وأنت تعلم إنهم لا يتكلمون ، أتسخر منا أم ماذا ؟ ! . وإذا كانت الأصنام لا تنطق ولا تتكلم فهي لا تستطيع أن تهدي من يعبدها سواء السبيل ، وإذن ما الفائدة منها ؟ .