السيد محمد تقي المدرسي
306
من هدى القرآن
تجاوز الشهود ، فتراه - حينما يرى شيئاً - لا يقف عنده ، بل يعبر من خلاله إلى الشاطئ الآخر للحقيقية أي إلى حكمته وسببه ودلالته ، وبكلمة : الإيمان بالغيب هو : أن نصدق بما لا نراه إنطلاقاً مما نراه ، وهذا الأمر الذي يتفق تماما مع العقل والمنطق ، هو الذي يقودنا إلى معرفة ربنا اللطيف الذي لا تدركه الأبصار ، من خلال ما نراه من آثار خلقه وبديع صنعه ، وبالتالي نخشاه كأننا نراه ، ونقف بين يدي جبروته المطلق بخشوع ووجل ، وهذا الشعور سوف ينعكس على أعمالنا ، وأقوالنا ، وسائر تصرفاتنا ، فيصقلها ويهذبها ويوجهها إلى الوجهة السليمة في الحياة . كما يقودنا الإيمان بالغيب إلى الشفقة من الساعة . وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ أي يخشون قيام الساعة . والإشفاق حالة من الخشية المقرونة بالترقب والإنتظار ، ذلك لأنَّ المتقين يعيشون بين الخوف من البعث ( لأنهم لا يعلمون نتائج أعمالهم ) ويبن انتظاره ( إذ يرجون جزاء حسناتهم ) . [ 50 ] وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ إن أكثر الكفار ، ينكرون الرسالات والكتب الإلهية ، لأنهم يشككون أنفسهم في الذي أنزلها ، ولذلك يقول الله في هذه الآية : أَنزَلْنَاهُ ليقطع عليهم سبيل الإنكار والتكذيب . وكما أن التوراة كانت فرقاناً وضياءً وذكراً . . فإنَّ القرآن كذلك ذكر ( وهو أعلى صفات التوراة الثلاث ) . ومثلما أصبح كتاب موسى بركة على بني إسرائيل ، كذلك هذا الكتاب سيكون ( وفعلًا كان ) مباركاً على من اهتدى به ، يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويعطيهم تكاملًا معنوياً ومادياً . إبراهيم عليه السلام يحطم الأصنام جميعا [ 51 - 53 ] * وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ( 51 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ( 52 ) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ الضمير في رُشْدَهُ يعود إلى إبراهيم عليه السلام ، ولم يقل ربنا : ( رشدنا ) مثلًا ، وفي ذلك إيحاء إلى أن الله خلق الإنسان راشداً ، عاقلًا ، نقي الضمير ، ولكنه يتبع آباءه على غير هدى فتنحرف فطرته ويضيع رشده . ولقد أدى إعراض قوم إبراهيم عن رشدهم المركوز في فطرتهم ، إلى أن يردوا على حجته القوية المنطقية بذلك الجواب السخيف الأحمق فقالوا : إنما نعبد هذه الأحجار لأننا رأينا أسلافنا