السيد محمد تقي المدرسي
283
من هدى القرآن
تقدَّس رب العرش عما يصف المشركون ، إنه فوق التأثر بخلقه ، فهم يسألون عن أفعالهم ، وهو لا يسأل عما يفعل . ثم يطالبهم بالبرهان ، ويؤكد أن كل الرسالات الإلهية تتفق على كلمة التوحيد ، وأن شرك هؤلاء نابع من إعراضهم عن الحق . وربما زعموا أن الملائكة الأشداد هم أولاد الله ، أو لا يعلمون أنهم عباد مكرمون ( مقربون إلى الله وهذا سر قدرتهم ) ، وأنهم لا يظهرون رأيهم بل يطيعون أمر ربهم ، وأن الله تعالى محيط بهم علماً ، وأنهم لا يشفعون إلا بإذنه ، وأنهم يخشون ربهم ؟ فكيف يعارضونه ؟ وأنهم مجزيون على أعمالهم ، فلو قال أحدهم إفكاً إنه إله من دون الله يجزيه ربه جهنم كما يجزي سائر الظالمين . بينات من الآيات : [ 21 ] من العوامل التي تبعد الإنسان عن إحساسه بالمسؤولية وتعطيه مبرراً لتنصله عنها في الحياة هو الاعتقاد بإله غير الله ، أنى كانت صورة ذلك الإله ، وأنى كان اسمه . بل إن تعلق الإنسان بأي شيء تعلقاً ذاتياً بعيداً عن الله ، يدعوه إلى أن يتقرب إلى ذلك الشيء ويجعله واسطة بينه وبين الله في زعمه ، لا لشيء إلا لكي يتخلص من ثقل المسؤولية ، ذلك لأنه من الصعب جداً على الإنسان الإحساس بأنه مسؤول أمام قوة قاهرة عليمة حكيمة محيطة به ، تجازيه على كل صغيرة وكبيرة تبدر منه ، لذلك فهو يحاول - جهده - أن يتهرَّب من هذه المسؤولية ، ولولا إحساس المؤمنين برحمة الله لما استطاع أي منهم أن يتحمل ضغط المسؤولية على قلبه . والقرآن الحكيم يؤكد - المرة تلو الأخرى - عدم وجود أي شيء أو شخص يمكنه أن يقف أمام قدرة الله ، وذلك لكي يواجه الإنسان ربه عارياً عن كل التبريرات والحجج الواهية ، وبالتالي يصبح جدياً في حياته ، ويترك اللهو واللعب ، ومن ثم يتحمل هذا الحمل العظيم وهو أمانة المسؤولية التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوماً جهولًا . وتؤكد هذه الآية أن الإله الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحيي الأموات ، فهل هذه الآلهة المزعومة تستطيع ذلك ؟ أم هل يقدر أحد أن يدعي ذلك ؟ كلا بل تراهم يعترفون في لحظات الحاجة ، عن مدى ضعفهم واستكانتهم ، حتى إن نمرود الذي ادعى - مرة - أنه يحيي ويميت ، انهار عندما رأى النيران الملتهبة - التي عمل جلاوزته المستحيل من أجل تأجيجها وتهيئتها لحرق