السيد محمد تقي المدرسي
273
من هدى القرآن
بعيد ، إذا فلماذا الغفلة ، ولماذا الإعراض عن ذكر الله وعن الرسالة ؟ ! . والناس على أقسام ثلاث ، فمنهم من يتحوَّل قبره إلى روضة من رياض الجنة ، وهم الصالحون ، ومنهم من يصبح قبره حفرة من حفر النيران ، وهم المجرمون . وواضح أن حساب هؤلاء أقرب إليهم من كل شيء لأنه لا يفصلهم عنه سوى الموت الذي ينزل بهم في أية لحظة . أما القسم الثالث فهم الذين يلهى عنهم حتى قيام الساعة حسب بعض النصوص ، وبالرغم من بعد الحساب عنهم زمنياً إلا أن انعدام شعورهم خلال الفترة يوصل الموت وقيام الساعة ببعضهما في الواقع ، ولعلَّه لذلك جاء في الحديث النبوي الشريف : [ بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ - وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وآله : وَالَّذِي بَعَثَنِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ السَّاعَةَ بَيْنَ كَتِفَيَّ ] « 1 » . وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ تحيط بهم الغفلة ، ويهربون من مواجهته الحقيقية . [ 2 ] مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ كلما أتتهم آيات جديدة من ربهم ، تذكرهم بواقعهم ومصيرهم ، إذا بهم يتشاغلون عنها بتوافه الأمور ، أو يتخذونها لعباً ، فلا يتعاملون معها بجدية . تصوَّر أنك لو مثلت أمام محكمة ، وأنت تعتقد بأنها إما أن تحكم عليك بالإعدام ، وإما أن تبرىء ساحتك ، كيف تقف في قفص الاتهام ، أوليس متحفزاً يقظاً ، حتى لا تبدر منك كلمة في غير محلها ، لأنها لحظة حاسمة . أما إذا أخذت تدير مسبحة في يدك أو تدخل يديك في جيبك تبحث عن محتوياته العادية فإن ذلك يسمى لعباً . وكذلك الإنسان في هذه الحياة أشبه ما يكون في قاعة محكمة ، وعليه أن ينتظر الحكم عليه بدخول الجنة أو بورود النار ، ولهذا ينبغي عليه أن يأخذ الحياة بجدية تامة ، ويحسب لأعماله وتصرفاته ، وأقواله ألف حساب ، وإلا كان من الذين يشملهم قول الله سبحانه : وَهُمْ يَلْعَبُونَ . تخرصات البشر [ 3 ] لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ إن القلوب اللاهية لا تتقبل حقائق الحياة ، ولا تتفاعل معها ، تماماً كالأحجار الصلدة التي كلّما صببت عليها الماء فإنها ترفض أن تحتفظ بقطرة واحدة منه .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 6 ص 315 .