السيد محمد تقي المدرسي

256

من هدى القرآن

اللباس لما تدافن الناس ، ولو تعرى كل إنسان للثاني ، لظهر أشد سبعية من الذئب ، وأخبث حيلة من الثعلب ، وألدغ من الحية ، والذي ينزع عن نفسه هذا اللباس فإنَّ أمامه طريقاً عريضاً ، ليعود إلى الله ، مرة أخرى عبر التوبة . والإنسان إنما يضعف ويذنب ، حينما ينشد إلى التراب ، بينما يسمو حينا يميل إلى جانب النور ، وإنما هبط آدم عندما تأثر بترابيته لا بروح الله التي نفخها فيه . ولما خدع الشيطان آدم أنزله الله إلى الأرض ليخوض صراعاً عنيفاً بين الحق والهوى ، بين من يتبع هذا ومن يتبع ذاك ، وهذا ما يجعل الإنسان محتاجاً إلى رسالات الله لتهديه إلى سبيل الرشاد والسعادة ، فمن اتبع هدى الله فلا يضل عن الطريق ، ولا يصيبه الشقاء ، أما من اتبع هواه وأعرض عن ذكر الله ، فإنه يخضع لضغوط الشهوات ، ويعيش في زنزانة الجهل والجهالة ، ويصاب بمعيشة ضنك ، أما يوم القيامة فيبعث أعمى ، وحين يتساءل عن ذلك يأتيه الجواب : أو لم تنس آيات الله ؟ بلى فأنت اليوم تنسى . إن المسرفين الذين يكفرون بآيات الله لهم عذاب شديد ، في الدنيا - كما أهلك الله القرون الغابرة وأشد منه وأبقى في الآخرة . إن الله سبحانه وتعالى يهمل الكفار لأجل مسمى ، ولولا ذلك لأخذهم بكفرهم . بينات من الآيات : [ 123 ] قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ لقد هبط آدم وزوجته فقط ، وقد أكَّد القرآن ذلك حين جاء الحديث بلفظ التثنية اهْبِطَا ، ولكنه بعدئذ يقول : جَمِيعاً فلعلَّه يضم إبلس معهما ، ثم يقول : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ بصيغة الجمع ، لماذا ؟ . لأن آدم لم يختلف مع زوجته في الأرض أبداً ، بل ظلَّ على وئام معها ، حتى صارت لهما ذرية فانقسم هؤلاء ، فمنهم من اعتنق مبادئ الخير ، ومنهم من اعتنق مبادئ الشر ، فنشب الصراع بين الطرفين . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى الضلالة هي الانحراف والشقاء نتيجتها ، ولكن الذي يتبع هدى ربه لا يضل ولا يشقى ، لأنه يسير في الطريق الصحيح الذي يوصله إلى أهدافه ، ولعلَّ الضلالة تعني الجانب المعنوي ، بينما الشقاء يعني الجانب المادي ليتقابل مع قوله سبحانه في الآية التالية : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً يعني من لم يتبع هدى الله .